التوحيد والشرك في الفكر التكفيري

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 
التوحيد والشرك في الفكر التكفيري مقدمة یُعدّ التوحيد أساسُ كلّ الدعوات الإلهية في طول تاريخ الأنبياء، فليس ثمّة شكّ في أنّ التوحيد هو الأصل الوحيد الذي انطلق منه الرسل لجميع الديانات، والإسلام واحد من هذه الديانات التي لم تشذّ عن ذلك المبدأ، فكانت حقيقة الإسلام شهادة أن لا إله إلّا الله، ونفي أيّ شريك يحول دون حقيقة هذه الشهادة، ووصل مستوى الاهتمام بالتوحيد في الإسلام إلى حدّ قد جعل التلفّظ والنطق بالشهادة كافياً في ترتّب آثار الإسلام الظاهرية، ومعه يُمنَح الناطق بها حصانة في أعلى مستوياتها، فلا يجوز قتله، ويمتنع معها انتهاك عرضه، ويجب احترام جميع ماله، وتُترَك حقيقة إيمانه باطناً لمن هو مطّلِع على السرائر، فلو كان واقعاً غير مؤمن بذلك، بل كان تلفّظه لأهداف ومصالح دنيوية كفى ذلك في دخوله في الإسلام، ففي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام : «الإسلام شهادةُ أن لا إله إلّا الله... به حُقِنَت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس»[1]. وكأنّ التوحيد بهذا التلفّظ له مُعطىً يتمثّل في حقّ الحياة في جميع صورها ومجالاتها؛ ولهذا حينما نريد أن نفهم التوحيد لا بدّ أن نفهمه في ضمن هذا الإطار الذي يُعبَّر عنه بالمقصد العام، وحين نطلب تفسيراً للتوحيد لا بدّ أن يكون في هذا الفضاء من الفهم العام، وهذا التفسير المقاصدي يعضده كثير من الآيات القرآنية، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )[2]، هذه الآية التي جعلت غايةَ وعلّةَ كل الأوامر الإلهية هو إحياء الناس بها، وكأنّ عدمها موتٌ حقيقةً، وأنّ فلسفة استجابة الناس للتوحيد والإقرار به إنّما هو الإحياء؛ مهما فسّرنا الحياة، سواء أكانت الحياة الدنيا أم الأُخرى، ومهما فسّرنا أثر الاستجابة في تحقّق الحياة هل هو بسبب العلم والمعرفة أم غيره؟ تعريف التوحيد والشرك التوحيد لغةً: مصدر وَحَدَ، والوحدة: الانفراد، يقال: رأيته وحده. أي: منفرداً. والتوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له. ووَحَّدَهُ تَوْحِيداً: جَعَلَهُ واحِداً[3]. وتوحيد الله تعالى في جملة (لا إله إلّا هو) يقتضي نفي ماهية أيّ إله حقيقي، وإذا انتفت انتفى معها جميع أفرادها، وبهذا يفيد هذا القول التوحيد التام المحقّق[4]. والشرك لغةً: جمعه أشراك، وهو بمعنى النصيب كما في الحديث: «مَن أعتق شركاً له في عبد»، أي: حصّة ونصيباً[5]. والشرك والشركة: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلاناً في الشيء. إذا صرت شريكَه، وأشركت فلاناً، إذا جعلته شريكاً لك[6]. فالشرك في الله بحسب الأصل اللُّغوي يكون باتخاذ النِّد معه، فمعنى أشرك بالله تعالى: أنّه قد خلط وضمّ له شيئاً آخر، وهذا الشيء قد يكون صنماً أو مِلكاً ونحو ذلك، والخلط قد يكون بلحاظ الربوبية والتدبير، وقد يكون بلحاظ الإلوهية والعبودية. وسوف نسلِّط الضوء على المعنى الاصطلاحي عند العلماء للشرك لاحقاً؛ كونه يمثِّل النقطة المهمّة في تفسير التوحيد، والمثيرة للجدل، فيما يتعلّق بالفكر التكفيري المعاصر. أقسام الشرك وأحكامه يمكن تقسيم الشرك بحسب ما ورد في القرآن والسنّة إلى قسمين: شرك عظيم، وشرك صغير. 1ـ الشرك العظيم: هو إثبات شريك لله تعالى في ذاته أو أفعاله أو صفاته، وذلك أعظم كفر، قال تعالى: (إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ )[7]، (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا)[8]،( مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)[9]. 2- الشرك الصغير: فهو مراعاة غير الله معه في بعض الأُمور، وهو الرياء والنفاق، المشار إليه بقوله: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّـهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[10]، وقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)[11]. وقد عرّفه البعض: «كـل ما نهى عنـه الشرع، ممّا هو ذريعة إلى الـشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيـه، وجـاء في النصوص تسميته شركاً»[12]. أمّا حكمهما، فإنّ القسم الأوّل يُخرِج من الملّة، ولا حصانة لدم مرتكبه ولا لماله، وفي الآخرة يدخل النّار، ويُعتبَر من أكبر الكبائر الموبقة، وفي الحديث سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندّاً[13] وهو خلقك»[14]. ومن هنا؛ مَن اتخذ صنماً أو غيره معتقداً أنّه نظير لله تعالى وضدٌّ له، فقد كفر وأشرك وفَعَلَ حراماً عظيماً. وسوف نُشير لاحقاً إلى هذا القسم، وأنّه هو المنحصر في التكفير والإشراك. أمّا حكم القسم الثاني، فهو محرَّم، ولكن لا يخرج مَن ارتكبه عن ملّة الإسلام؛ ولذا ورد التحذير منه في الكتاب والسنّة[15]. وجاء في لسان بعض الروايات تقسيم آخر للشرك، وهو: شرك الطاعة، وشرك العبادة، ففي تفسير القمي، عن أبي جعفر عليه السلام : في قول الله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)[16]، قال: «شرك طاعة، وليس شرك عبادة، والمعاصي التي يرتكبون، فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان، فأشركوا بالله الطاعة لغيره، وليس بإشراك عبادة أن يعبدوا غير الله»[17]. تقسيم آخر يرى العلّامة الطباطبائي أنّ الشرك أربعة أقسام، فهو نظير الكفر والإيمان يتنوّع بحسب الظهور والخفاء: 1ـ الشرك ظاهر: كمن يعتقد بتعدّد الآلهة واتخاذ الأصنام والشفعاء. 2ـ وشرك أخفى من الأوّل؛ كما عليه أهل الكتاب في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّـهِ )[18]، (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّـهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)[19]. 3 ـ وشرك أخفى من الأوّلين؛ كما عند مَن يعتقد استقلال الأسباب والركون لها. 4ـ وقسم رابع من الشرك يتمثّل في الغفلة عن الله تعالى والالتفات إلى غيره، وهو شرك أخصّ من الجميع. ومن هنا؛ يبرّر اجتماع الشرك مع التوحيد والإيمان مع أنّهما معنيان متقابلان، وذلك من جهة كونهما من المعاني التي تقبل في نفسها القوّة والضعف، فتختلف النسبة والإضافة كالقرب والبُعد، فإنّ القرب والبُعد المطلقين لا يجتمعان، إلّا أنّهما إذا كانا نسبيين لا يمتنعان من الاجتماع والتصادق، كمدينة مكّة مثلاً فإنّها قريبة بالنسبة إلى المدينة بعيدة بالنسبة إلى الشام. وهكذا الإيمان بالله والشرك به. وحقيقة الأوّل: تعلّق القلب بالله بالخضوع له، وحقيقة الثاني تعلّق القلب بغيره تعالى ممّا لا يملك شيئاً إلّا بإذنه تعالى، وهما يختلفان بحسب النسبة والإضافة؛ فإنّ من الجائز أن يتعلّق الإنسان مثلاً بالحياة الدنيا الفانية وينسى مع ذلك حقيقة الله تعالى، كما أنّه من الجائز أن ينقطع عن كل ما يصدّ النفس ويشغلها عن الله سبحانه ويتوجّه بكلّه إليه ويذكره ولا يغفل عنه، فلا يركن في ذاته وصفاته إلّا إليه، ولا يريد إلّا ما يريده، كالمخلَصين من أوليائه تعالى. وبين المنزلتين مراتب مختلفة بالقرب من أحد الجانبين والبُعد منه، وهي التي يجتمع فيها الطرفان بنحو من الاجتماع، فقد تجد شخصاً يدّعي الإيمان بالله لكنّه يخاف وترتعد فرائصه من أيّ نائبة أو مصيبة تهدّده، وهو يذكر أن لا قوّة إلّا بالله، وفي الوقت ذاته يلتمس العزّة والجاه من غيره، وهو يتلو قوله تعالى: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا)[20][21]. ويرى بعضٌ أنّ التلبّس بالشرك ـ بنحو ما ـ لا يكون نظير استقرار الشرك في النفس، فلا يمكن أن يتساويا في نفس الحكم، فإنّ إطلاق الفعل غير إطلاق الوصف والتسمية به، فللتوصيف والتسمية حكم، ولإسناد الفعل حكم آخر[22]، فلا يُسمّى بالمشرك مثلاً وغيره من الأوصاف التي تحتمل البقاء والاستمرار إلّا مَن استقرّ فيه الوصف[23]؛ وذلك لأنّ إطلاق الفعل لا يدلّ إلّا على تلبّس ما، بخلاف الوصف؛ فإنّه يدلّ على استقرار التلبّس وصيرورة المعنى الوصفي ملكة لا تفارق الإنسان، ففرق بين قولنا: الذين أشركوا والذين صبروا والذين ظلموا. وبين قولنا: المشركين والصابرين والظالمين. فالمشركون هم الذين ثبت فيهم وصف الشرك واستقرّت فيهم هذه الصفة[24]. وقد وردت بعض الروايات تؤكّد أنّ إطلاق وصف الشرك لا يشمله الشرك الخفي، بل ثمّة أُمور هي التي تُحقّق وصف الشرك، فقد جاء في (الخصال): «عن عباس بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: قلت: إنّ هؤلاء العوام يزعمون أنّ الشرك أخفى من دبيب النمل في الليلة الظلماء على المسح الأسود. فقال: لا يكون العبد مشركاً حتى يصلّي لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يدعو لغير الله عزّ وجلّ»[25]. التوحيد والشرك في العقيدة السلفيّة السَّلَفيّة من (سَلَف)؛ بمعنى: تقدّم ومضى، والأُمم السالفة: الماضية[26]، تُقرَأ بفتح السين واللام. ويُقال: سلفيّ؛ انتحالاً لمذهب السلف وطريقتهم[27]. والسَّلَف اصطلاحاً: هو اسمٌ لكلّ مَن يُقلَّدُ مذهبُه في الدين ويُتَّبعُ أثرُه[28]. وعلیه؛ فالسلفيّة: هم الذين يعتقدون معتقد السَّلَف وينتهجون منهجهم، ويحتذون حذو السلف بالمعنى المتقدِّم[29]. لكن هذا التعريف لا يرفع الغموض والإبهام عن المعنى الدقيق للسلفيّة؛ بسبب الإبهام والتعدّد الذي حصل مؤخَّراً في معنى السَّلَف، الذي يُشكِّل العنصر الأساسيّ في تعريفهم. فالسَّلَف تارةً يُراد به هنا: خصوص الكتاب والسنّة، وأُخرى: مذاهب المتقدّمين، وثالثةً: المأثور من خصوص الصحابة، ورابعةً: المأثور بما يشمل الصحابة والتابعين ومَن تابعهم[30]. ويرى بعضٌ[31] أنّ السَّلَف اصطلاحٌ قد استقرّ على خصوص الصحابة والتابعين وتابعيهم، والتحديد بهؤلاء ناشئ ممّا ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «إنّ خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم»[32]. وعلى أيّة حال؛ لو أُريد بالسَّلَف خصوص نصوص الكتاب والسنّة، فإنّ الجميع سيكون سلفيّاً بهذا المعنى؛ لأنّ ثمّة إجماعاً على أنّ المسلمين قاطبة مصدرهم الأساس هو ذلك، هذا أوّلاً. وثانياً: كيف يتحقّق معنى السلفيّة بهذا المعنى مع وجود اختلاف الرؤى والتفسيرات لهذه النصوص؟! وكذلك فيما يتعلّق بالمأثور من الصحابة والتابعين، فهذا أيضاً متضارب ومتهافت في كثير منه، فأيٌّ منه يكون هو المتَّبَع؟ وكذلك الحال فيما لو كان المقصود مذاهب المتقدّمين وآراءهم الاجتهاديّة. إذن؛ تعدُّد الرؤى للموروث الإسلاميّ يُفضي إلى الغموض في اصطلاح السلفيّة، وهذا يستلزم بحثاً تاريخياً لجذور هذه الكلمة لكي تتّضح معالمها بنحو دقيق. المبادئ العامّة للعقيدة السَّلَفية يُعتبر أحمد بن حنبل(164-241هـ) من الذين وضعوا الخطوط والمبادئ العامّة للاتجاه السلفيّ، في مواجهة ما كان يعتقده من البدع والمحدثات التي أوجدت الغربة في الإسلام[33]. ومن جملة هذه المبادئ : 1- الإيمانُ قولٌ وعمل. 2- كلام الله تعالى ليس بمخلوق، كما أنّه ليس شريكاً للذات الإلهيّة في القِدَم. 3- كلّ ما وَصف الله تعالى ذاته من أوصاف فينبغي وصفه بها، فلا تعطيل ولا تأويل. 4- رؤية أهل الجنّة لله تعالى عقيدة حقّ يجب الاعتقاد بها دونما أيّ تأويل أو تمثيل. 5- علم الكلام علم منكر ولا يجوز استلهام العقائد منه. 6- الاعتقاد بالقضاء والقدر ممّا يكتمل بهما الإيمان، وهما من الله تعالى. 7- الكبائر لا تجعل المؤمن كافراً. 8- خلافات الصحابة يجب العدول عن التعرّض لها والاقتصار على ذكر محاسنهم. 9- أفضليّة الخلفاء الأربعة بحسب تسلسلهم في تسلّم الخلافة. 10- طاعة وليّ الأمر واجبة حتى لو كان فاسقاً فاجراً[34]. هذه هي مجمل أفكار أحمد بن حنبل، والتي ظهرت بوادرها في زمن الدولة العباسيّة، ولم يكن لها حظّ من الاهتمام، إلى أن جاء المتوكّل العباسيّ(232هـ)، فاستبدل المعتزلة بأصحاب الحديث، فانتعش آنذاك الفكر السلفيّ وساد منهجه، وأصبح علماء الحديث أبرز أعلام الحركة السلفيّة وروّادها. واستمرّ الفكر السلفيّ بذات المبادئ العامّة، وعلى نفس النهج الذي خطّه ابن حنبل إلى القرن السابع الهجري، إلى أن ظهرت شخصيّة ابن تيميّة وابن القيّم الجوزيّة، اللذين زعما أنّ ثمّة بدعاً وخرافات تُشكّل خطراً على التوحيد خصوصاً وعلى العقيدة عموماً؛ ممّا يستلزم إعادة صياغة العقيدة السلفيّة وإلباسها ثوباً جديداً. ويمكننا القول: إنّ أبرز سمات الفكر السلفيّ في عصر ابن تيميّة تتمثّل في التشديد على توحيد العبادة، وحصر الوسائل المفضية لها فيما هو مشروع، وفقاً لأدلّة يعتقدون بصحّتها. قال ابن تيميَّة: «جماع الدين أصلان: ألّا نعبد إلّا الله، ولا نعبده إلّا بما شرَّع، لا نعبده بالبدع»[35]. وعلى هذا يتفرّع: «إنّ دعاء الله تعالى من جملة العبادات، ومَن دعا المخلوقين من الموتى أيّاً كانوا واستغاث بهم؛ كان مبتدعاً في الدين ومشركاً، ومَن سأل الله تعالى بالمخلوقين، أو أقسم عليه بالمخلوقين؛ كان مبتدعاً بدعة ما أنزل الله بها من سلطان»[36]. وحاصل هذا الاعتقاد: 1- منع التقرّب إلى الله تعالى بالصالحين والأولياء. 2- منع الاستغاثة والتوسُّل بالموتى وغيرهم. 3- منع زيارة قبور الصالحين والأنبياء للتبرُّك والتقديس[37]. وقد نتج عن ذلك توسُّعٌ في التكفير، ومن ثمَّ جواز قتل المخالف المقدور عليه؛ يقول ابن تيميّة: «فأمّا قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج، كالحروريّة والرافضة ونحوهم، فهذا فيه قولان للفقهاء؛ هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح: أنّه يجوز قتل الواحد منهم، كالداعية إلى مذهبه، ونحو ذلك ممّن فيه فساد»[38]. وفي الحقيقة؛ لم يكن هناك من جديد في تجديد ابن تيميّة غير التركيز على الدعوة إلى أفكار ورؤى أحمد بن حنبل، بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون عليها، وتشديد الخناق على مناخ السجالات بأدوات الفلسفة والمنطق، التي اعتقدوا أنّها قد زعزعت الأفكار الأصيلة للإسلام، ومنحت وثوقاً كبيراً في أحكام العقل؛ فأفضى ذلك إلى تأثُّر وتحمُّس الكثير له، وفيهم من العلماء أيضاً. الفكر الوهابيّ والتكفير الوهابية عقيدةٌ استلهمت جُلَّ أفكارها من التيار السلفي الحنبلي، واختزلت عقيدة أهل السنّة والجماعة في فكرها، بيد أنّها تطرَّفت كثيراً في فهم هذه العقيدة؛ ممّا أوقعها في التطرّف والتكفیر، فهي وصفٌ ينتمي إلى شخص ظهر في الجزيرة العربيّة من مدينة نجد يُدعى محمّد بن عبد الوهاب(ت1206هـ)، حنبلي المذهب، اعتقد أتباعه أنّه حمل لواء التجديد في الفكر الدينيّ، بذريعة أنّ غربة الإسلام قد بلغت ذروتها؛ من خلال مُمارسة طقوس يزعمون أنّها وثنيّة، وأنّ ثمّة حاجة كانت وضرورة لإزالة هذا الاغتراب، والعودة بالإسلام إلى سابق عهده، في إطار ما يؤمنون به من الآراء الحنبليّة، وآراء ابن تيميّة ومعتقداته التي قاربت من الاندثار والاضمحلال[39]. ولم تكن الحركة الوهابيّة مقتصرة على مستوى التنظير الديني، بل اختلطت الممارسات العمليّة مع الجانب النظريّ للعقيدة، وأصبحت جزءاً منها، حيث نجد أنّ محمّد بن عبد الوهاب أوّل ما عمد إلى قبّة زيد بن الخطّاب فهدمها؛ مدّعياً أنّها وُضِعَت على الباطل، وأنّها منطلقٌ للضلال والزيغ عن الهدى[40]، بل تعدّى ذلك إلى التفكير في هدم قبور الأنبياء وسائر الأئمّة عليهم السلام ، انطلاقاً من تفسيرهم للأحاديث التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، مضافاً إلى تحريمهم الاستغاثة بأصحابها، حتى لو كان نبيّاً، مثل نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي ثبت بالصحيح أنّه حيٌّ يسمع السلام ويردّه[41]. حتى صار ذلك الفعل شعاراً يُنادي به أتباعه. كما نُلاحظ رؤيته في كون فريضة الجهاد ضرورة ومُلزمة ضدّ المسلمين الذين يزعم أنّهم لا يوحِّدون الله، وكأنّ الإسلام قد اندثر وعاد الناس إلى الجاهليّة الأُولى، وأنّ محمّد بن عبد الوهاب قد بعثه الله تعالى لإنقاذهم من الكفر والضلال. يقول ابن بشر في كتابه عنوان المجد: «ولما مَنَّ الله سبحانه بظهور هذه الدعوة، وهذا الدين، واجتماع شمل المسلمين، وإشراق شمس التوحيد على أيدي الموحِّدين، أمر الشيخ بالجهاد لمن أنكر التوحيد من أهل الإلحاد»[42]. وهكذا فقد اصطبغت دعوة ابن عبد الوهاب بالدماء، وما انفكّ يحصد رؤوس المسلمين بذريعة الشرك والإلحاد، وبرز للواجهة مصطلح الغزوات والوقائع وتقسيم الغنائم والبيعة، وقد وقع الكثير من الضحايا الأبرياء نتيجة تلك الغزوات الهمجيّة والدمويّة، والتي وقعت تحت ستار مخالفة الدين، الذي أضحى مُبرّراً لقتل كلّ المُخالفين والرافضين له ووصمهم بالمشركين، فهتك أعراضهم، ونهب أموالهم، وسبى نسائهم، تحت عنوان الغنائم[43]. وهو الذي يؤصِّل أنّ كلّ: «مَن غلا في نبيٍّ أو رجل صالح أو غير صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهيّة، مثل أن يقول: يا سيّدي فلان، أغثني وأجرني وانصرني، أو اقض دَيني، أو أنا فقير إليك، أو أنا في حسبك، أو متوكِّل عليك، أو يذبح له، أو ينذر له، أو يرجوه أو يخافه، فهذا كلّه شرك وضلال وجنون وخبال، يُستتاب صاحبه وتُقام عليه الحجّة؛ فإن تاب وإلّا ضُربت عنقه... وكلّ مَن قصد قبراً أو حجراً أو شجرة، حيّاً أو ميّتاً، وعظّمه ودعاه، واستغاث به، وتبرّك به، وعكف عليه؛ فقد اتّخذه إلهاً مع الله»[44]. خلل التيار التكفيري في فهم حقيقة الشرك والتوحيد المتتبِّع للفكر الوهابي لا يشكّ في أنّ ثمّة انسياقاً وتقليداً أعمى لمنظومة أفكار ابن تيمية مع ما تضمّنت من أخطاء واضحة، وفي مجال عقيدة التوحيد نجد أنّ محمد ابن عبد الوهاب وأتباعه قد انطلقوا في فهم التوحيد والشرك في إطار ما كان يؤمن به ابن تيمية أيضاً، فهو يعتقد أن التوحيد الذي بُعث به النبي نوعان: توحيد قولي، وتوحيد عملي؛ إذ يقول: «التوحيد الذي بَعَثَ الله به رسوله قولاً وعملاً: التوحيد القولي؛ مثل سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ)، وَالتَّوْحِيدُ الْعَمَلِيُّ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)»[45]. فلا يعتقد ابن تيمية أنّ التوحيد يتحقّق بمجرّد النطق بالشهادة وقول: (لا إله إلّا الله)، بل هناك بُعدٌ عملي لا بدّ من توفّره، يتمثّل في الجانب العبادي، والذي اصطلح عليه بتوحيد الإلوهية، مقابل الإقرار بأنّ الله واحد وخالق ومدبّر، والذي اصطلح عليه بتوحيد الربوبية، ورأى انطلاقاً من فهمه لبعض آيات القرآن أنّ التوحيد الذي يكون المعيار بين الشرك والكفر هو التوحيد في الجانب العبادي (توحيد الإلوهية)؛ ضرورة أنّ الكفّار في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يقرّون بتوحيد الربوبية لكن لم ينفعهم ذلك. وسار على هذا المبدأ أتباع ابن تيمية، خصوصاً محمد بن عبد الوهاب الذي قَعَّد وأصَّل لهذا المبدأ في كثير من كتبه؛ كما يُنقل عنه قوله: «التوحيد لا بدّ أن يكون بالقلب واللّسان والعمل، فإن اختلّ شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً». ولا يخفى ما في هذا الكلام من تقعيد لتكفير سائر المسلمين ممّن لا يعرف الحقائق والإلزامات التي ذكرها ابن عبد الوهاب، وبهذا يستطيع أتباعه أن يختبروا الناس في عقائدهم عند كلّ بلدة يدخلونها أو يكاتبونها، فإن وجدوا عندهم تحفّظاً أو أخطاءً استحلّوا قتالهم؛ لأنّهم غير مسلمين[46]. ولك أن تُراجع كتاب (الدّرر السنيّة) لتجد أنّه قد كفّر الكثير من المسلمين[47]. نظرة في تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والإلوهية فيما يتعلّق بهذا الأمر، فإنّ هناك اتجاهين في قبول تقسيم التوحيد إلى ربوبية وأُلوهية، فالأوّل يرى أنّ هذا التقسيم من ابتداع ابن تيمية، وأنّه ليس ثمّة ما يشار له في القرآن ولا في السنّة ولا في كلام السلف قبل ابن تيمية، بل القرآن يُكذِّب هذا التقسيم وهذا الوصف[48]. وفي مقابل هذا، فقد اشتُهر في العقيدة السَّلَفية تبعاً لابن تيمية تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد أُلوهية، وأنّ الاعتقاد لا بدّ أن يتضمّنهما معاً. ويقصدون بالأوّل: «توحيد الله بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وتوحيد الإلوهية: هو إفراد الله بالعبادة من صلاة وصوم وحج وزكاة ونذر وذبح ونحو ذلك»[49]. يقول ابن تيمية في الاستقامة: «التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو: أن يُعبَد الله وحده لا شريك له، فهو توحيد الإلوهية، وهو مستلزم لتوحيد الربوبية، وهو أن يعبد الحق ربّ كل شيء، فأمّا مجرّد توحيد الربوبية وهو: شهود ربوبية الحقّ لكلّ شيء، فهذا التوحيد كان في المشركين، كما قال تعالى:( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)»[50]. ويقول في منهاج السنّة في سياق مناقشته للفلاسفة: «خرجوا عن بعض الحق المشترك بينهم وبين غيرهم، ودخلوا في بعض الباطل المبتدع، وأخرجوا من التوحيد ما هو منه، كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلّا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأنّ الله خالق كلّ شيء وربّه، وهذا التوحيد كان يُقرّ به المشركون الذين قال الله عنهم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ)»[51]. وقد تبعه في ذلك ابن عبد الوهاب أيضاً؛ إذ قال: «الكفّار الذين قاتلهم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وقتلهم، وأباح أموالهم، واستحلّ نساءهم؛ كانوا مقرّين لله سبحانه بتوحيد الربوبيّة... ولكنّ الأمر الثاني هو الذي كفّرهم وأحلّ دماءهم وأموالهم، وهو: أنّهم لم يشهدوا لله بتوحيد الإلوهية»[52]. إنّ جذور تقسيم التوحيد إلى ربوبية وأُلوهية، وأنّ الكفّار في زمن الدعوة كانوا مقرِّين بتوحيد الربوبية، تعود للمفسِّر المعروف ابن جرير الطبري، يقول: «الله جلَّ ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها العرب أنّها كانت تُقرّ بوحدانيّته، غير أنّها كانت تُشرك في عبادته ما كانت تُشرك فيها، فقال جلّ ثناؤه: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ)، وقال: ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّـهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)»[53]. والإنصاف أنّ أصل التقسيم لا ضير فيه، بعدما شهد له القرآن الكريم، فلا مانع من القول به؛ اعتماداً على الاستقراء القرآني، وإن كان التوحيد لا ينحصر بما ذُكِرَ من قسمين فقط، وقد صرَّح بذلك الشنقيطي في تفسير البيان، قال: «وقد دلَّ استقراء القرآن العظيم على أنّ توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: توحيده في ربوبيته... الثاني: توحيده في العبادة...»[54]. هل كان الكفّار يعتقدون بتوحيد الربوبيّة أم لا؟ هل صحيح أنّ الكفّار كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية وأنّ المرفوض عندهم كان خصوص توحيد الإلوهية؟ لأجل الجواب عن هذا السؤال ينبغي التوقّف في هذه المسألة، ودراسة أُسسها ومنطلقاتها. معنى توحيد الربوبيّة للربّ في اللّغة مجموعة من المعاني، منها: المالِك، والسيّد المُطاع؛ والمُصْلِح ونحو ذلك[55]. ولا يُطلَق هذا الاسم إلّا على الله، وفي غيره لا بدّ من تقييده، فيقال: ربّ الدار، وربّ الضيعة[56]. وفي اصطلاح الفكر السلفي: إنّه إفراد الله تعالى بأفعاله، من الخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة، وسائر أنواع التصريف والتدبير، وإفراده تعالى بالحكم والتشريع بإرسال الرسل وإنزال الكتب[57]. وفي هذا التعريف إشكال حاصل من إدخال (الخلق) ونحوه في التعريف، وعدم الاقتصار على التدبير؛ فإنّ التوحيد في الربوبية يعني: انحصار التدبير في الله سبحانه[58]، أمّا الخلق والإيجاد فهو متعلّق بمعنى آخر للتوحيد، وسوف يتّضح تفصيل ذلك بنحو أكثر لاحقاً. خطأ ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبيّة يعتقد الفكر الوهابي أنّ توحيد الربوبيّة لا يلازم توحيد الإلوهية ولا ينعكس، كما هو الحال في كفّار قريش، فقد كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية؛ وذلك عن طريق الفطرة، لكنّهم لم يكونوا يوحِّدون الله في الإلوهية والعبادة، فالتوحيد في الإلوهية هو مورد الخلاف عندهم. كما يعتقد أنّ الأنبياء لم تكن بعثتهم من أجل توحيد الربوبية، ولا من أجل الإيمان بالله تعالى، بل كان همّهم الوحيد هو إبلاغ توحيد الإلوهية. يقول ابن تيمية: «وقول صاحب الشرع: أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا الله. لم يقل: حتى يقولوا: إنّ ربّهم ربّاً؛ إذ هم عارفون بذلك، وإنّما أمَرتْهم الرسل أن يصلوا معرفة التوحيد بمعرفة الربوبية والوحدانية. فأبوا»[59]. وقال: «والمشركون كانوا يُقرّون بهذه الشهادة [أن لا ربّ إلّا هو]، لم يشهدوا أن لا إله إلّا الله، والرسل(عليهم الصلاة والسلام) بُعِثوا بتوحيد الإلوهية المتضمّن توحيد الربوبية، وأمّا توحيد الربوبية مجرّداً فقد كان المشركون يُقرّون بأنّ الله وحده خالق السموات والأرض كما أخبر الله بذلك عنهم في غير موضع من القرآن»[60]. من الأدلّة القرآنية التي ساقها أصحاب هذا النهج في إثبات أنّ توحيد الربوبية لا يلازم توحيد الإلوهية، قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ)[61]، وقوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)[62]، وغيرها من الآيات. ولا شكّ في أنّ ظاهر هذه الآيات هو إقرار المشركين بأنّ الله تعالى هو الخالق، وكأنّه أمرٌ قد جُبِلَت عليه فطرتهم. لكن الإشكال إنّما يكون في معنى الربوبية، فهل تعني الخالقية أم تعني التدبير أم ما يعمّهما؟ يرى بعضٌ أنّ إقرارهم إنّما كان في خصوص الخالقية، وعلى هذا لا يصحّ القول: إنّ الكفّار كانوا يُقرّون بتوحيد الربوبيّة، بل كان إقرارهم على مستوى الاعتقاد بأنّ الله تعالى هو خالق الكون حصراً. يقول صاحب تفسير الميزان في قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ): «شروع في إقامة الحجّة، وقد قَدَّم لها مقدّمة تبتني الحجة عليها، وهي مسلَّمة عند الخصم، وهي أنّ خالق العالم هو الله سبحانه؛ فإنّ الخصم لا نزاع له في أنّ الخالق هو الله وحده لا شريك له، وإنّما يدّعي لشركائه التدبير دون الخلق»[63]. فمسألة توحيده في الخلق هي حقيقة قد اعترف بها المشركون، ولكنّهم ابتُلوا بالانحراف فيما يتعلّق بمسألة توحيده في الربوبيّة، ففي بعض الأحيان اعتبروا الأصنام هي التي تحفظهم وتحميهم وتدبّر أمرهم، وكانوا يلجؤون إليها عندما يواجهون أيّ مشكلة[64]. بينما يذهب الكثير من أتباع المدرسة السَّلَفية كما أشرنا إلى الشمول، وأنّ الكفّار كانوا يُقرّون في الخالقية والتدبير معاً. ومن هنا؛ فمَن رأى أنّ توحيد الربوبية كان ممّا يُقرّ به المشركون إنّما جاء هذا نتيجة الخلط الذي وقع فيه بين توحيد الربوبية وتوحيد الخالقية. وقد أشار بعض علماء الشيعة المعاصرين کالسبحاني إلى هذه المسألة، وصرَّح أنّ الوهابية قد وقعوا في إشكال، ورتّبوا على ذلك نتائج مغلوطة؛ وذلك حينما خلطوا بين التوحيد في الربوبية والتوحيد في الخالقية، في حين أنّ المشركين أنفسهم يعتقدون بكون النجوم والأصنام ونحو ذلك رباً لا خالقاً. يقول السبحاني: «والحقّ أنّ اتّفاق جميع مشركي عهد الرسالة في مسألة التوحيد الخالقي ليس موضع شك، ولكن تسمية التوحيد الخالقي بالتوحيد الربوبي خطأ واشتباه؛ وذلك لأنّ معنى الربوبية ليس هو الخالقية كما توهّم هذا الفريق، بل هو ـ كما أوضحنا وبينّا سلفاً ـ ما يفيد التدبير وإدارة العالم، وتصريف شؤونه، ولم يكن هذا ـ كما بينّا ـ موضع اتفاق بين جميع المشركين والوثنيين في عهد الرسالة كما ادّعى هذا الفريق»[65]. وقال أيضاً: «يستفاد بجلاء من مطالعة عقائد الوثنية في كتب الملل والنحل أنّ مسألة التوحيد في الخالقية كانت موضع اتفاق، وأنّ الانحراف كان في مسألة التدبير أوّلاً، والعبادة ثانياً. فكان الوثنيون موحِّدين في أمر الخلقة، مشركين في الربوبية، ثمّ في العبادة. وكان الشرك في العبادة عاماً، بخلاف الشرك في التدبير، فلم يكن مثله في السعة والشمول...»[66]. وقد حاول أن يُثبت بكثير من الآيات القرآنية خطأ استعمال التوحيد الربوبي بدل التوحيد الخالقي، وأنّ الأصل في كلمة الربّ هو التدبير لا الخالقية. وعليه؛ يتّضح بأنّ الكفّار لم يكونوا موحِّدين للربوبية في جميع أفعال الله تعالى، بل غاية ما يمكن إثباته هو التوحيد في بعض أفعاله، كالخلق والرزق والتدبير العام. كما أنّ الدليل قائم على أنّ توحيد الربوبية لمن يعتقد به يكفي في نجاة الإنسان؛ وهذا يكشف تلازماً بينه وبين توحيد الإلوهية والعبودية، لا كما يقول أتباع الفكر التكفيري من عدم التلازم، وهناك شواهد على هذا أيضاً، ويكفي ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[67]، فالحزن والخوف ينتفي بالاعتقاد بربوبية الله جلّ وعلا، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ )[68]، فيكفي الإقرار بالربوبية في ترتّب النجاة والفوز بالجنّة وعدم الخوف والحزن، وهي تلازم توحيد العبودية. توحيد الربوبيّة أعمّ من الخلق والتدبير ولكن ثمّة غفلة عن بعض الآيات القرآنية التي ألحقت التدبير أيضاً بالخالقية في إقرار المشركين، كما في الآية التي استدلّ بها محمد بن عبد الوهاب، في قوله تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّـهُ )[69]. فالقرآن يؤكِّد أنّ المشركين كانوا يُقرّون بأنّ الله تعالى هو رازقهم، وهو المالك لسمعهم وأبصارهم وهو الذي يمنحهم الحياة وهو أيضاً يدبّر أُمورهم. فالربوبية تعمّ الخالقية والتدبير، وهو ما يشهد له خبراء اللغة في أنّ الأصل اللُّغوي لكلمة الربّ تعمّ: المالك والخالق والمدبِّر (المصلح). يقول ابن فارس: «الراء والباء يدلُّ على أُصولٍ. فالأوّل إصلاح الشيءِ، والقيامُ عليه. فالرّبُّ: المالكُ، والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء»[70]. ويفسّر صاحب الميزان التدبير في الآية السابقة: «هو الإتيان بالشيء عقيب الشيء؛ ويراد به ترتيب الأشياء المتعدّدة المختلفة ونظمها بوضع كل شيء في موضعه الخاص به، بحيث يلحق بكل منها ما يقصد به من الغرض والفائدة، فتدبير أمر العالم: نظم أجزائه نظماً جيداً متقناً، بحيث يتوجّه به كل شيء إلى غايته المقصودة منه، وهي آخر ما يمكنه من الكمال الخاص به، ومنتهى ما ينساق إليه من الأجل المسمّى»[71]. فهذا المعنى من التدبير كان ممّا يُقرّ به أهل الشرك كما هو مفاد الآية. نعم، قد يقال: إنّ هذا التدبير هنا هو التدبير العام مقابل التدبير الخاص التفصيلي في كلّ شأن من شؤون حياة الإنسان، كما أشار لهذا الطباطبائي، يقول: «هذا اعتراف بأنّه هو الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان وغيره؛ لأنّ الوثنيين يعتقدون ذلك؛ فأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يوبّخهم أوّلاً على ترك تقوى الله بعبادة غيره»[72]. أي: إنّ الكفّار كانوا يعتقدون أنّ منتهى التدبير هو الله تعالى، مع أنّهم يعتقدون أنّ الله تعالى قد فوّض تدبير الإنسان للأصنام أو للملائكة. وحمل التدبير على التدبير العام صحيح، لضرورة أنّ الكثير من الآيات كما سوف يأتي تؤكّد شركهم في التدبير الخاص لكل مفاصل الحياة وجزئياتها. ونحن في هذا المقال سوف نغض الطرف عمّا قيل: إنّه يتنافى مع التوحيد الربوبي؛ من قبيل أنّ بعض الطوائف الإسلامية يعتقدون بنحو من التدبير والتصرّف لبعض الأئمة والأولياء ونحو ذلك، فهذا على تقدير صحّة ثبوته عندهم يجمعه جواب واحد حاصله: أنّ التدبير وكذلك الخلق وغيره من أفعال الله تعالى، إنما ينبغي الإقرار بفردانيتها أصالة لا تبعاً، بمعنى أنّه لا ضير في أنّ نعترف أن الله تعالى هو المدبّر لهذا الكون، لكنّه في الوقت ذاته يمكن له أن يتيح ويبيح ويرخّص في ذلك لبعض خلقه كالملائكة مثلاً، أو لبعض البشر المنتجبين كالأنبياء والأئمة، فهذا لا يتنافى مع التوحيد. توحيد الإلوهية وعلى أيّة حال، سواء كان المشركون يقرّون بتوحيد الخالقية بالخصوص أم بما يشمل التدبير، فإنّ الركيزة التي ينطلق منها الفكر التكفيري هي أنّ حقيقة التوحيد تتمثّل في توحيد الإلوهية الذي يعني التوحيد في العبادة، فهو المعيار في تمييز المسلم عن المشرك، وعندئذ كل ما يُعتبر عبادة لغير الله تعالى فهو شرك وكفر، فينبغي على المسلم أن يترك جملة من الأُمور التي زُعم أنّها عبادة لغير الله، كالتوسل وزيارة القبور والنذر والحلف بغير الله تعالى ونحو ذلك. فينبغي التدقيق في هذا النحو من التوحيد، ومعرفة معناه، والبحث عمّا قيل: إنّه يقع في دائرة عبادة غير الله تعالى. معنى توحيد الإلوهية أشرنا سابقاً إلى تعريف توحيد الإلوهية بشكل مختصر، وقلنا: هو إفراد الله بالعبادة. والإلوهية: هي العبادة، ومنه قوله تعالى: ( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)[73]، وبناءً على صحّة قراءة ابن عباس فقد ورد أنّه قرأ: (ويذرك وإلهتك) بكسر الهمزة، أي: وعبادتك. والإله: بمعنى المألوه؛ أي: المعبود. وتوحيد الإلوهية: هو الاعتقاد الجازم بأنّ الله تعالى هو المستحقّ للعبادة وحده، مع التزام ذلك والعمل به، وعُرّف أيضاً بأنّه: إفراد الله بجميع أنواع العبادة[74]. وتوحيد الإلوهية متضمّن لتوحيد الربوبية؛ بمعنى أنّ توحيد الربوبيّة داخل ضمن توحيد الإلوهية، فمَن عَبَدَ الله وحده ولم يُشرك به شيئاً فلا بدّ أن يكون قد اعتقد أنّه ربّه ومليكه لا ربّ له غيره، ولا مالك له سواه[75]. إنّ مضمون التوحيد المقصود لم يكن مورد شك عند جميع المسلمين، فجميعهم يعتقدون أنّ الله ينبغي إفراده بالعبادة، وأنّ كلّ عبادة لغيره هي شرك عظيم ومعصية كبيرة. لكن المهم هو البحث في طبيعة العبادة وحدودها، ليتسنّى معرفة بعض التطبيقات الخارجية التي زعم الفكر الوهابي أنّها عبادة لغير الله؛ المستلزم ذلك لتصنيف طائفة من المسلمين في مجموعة الكفّار والمشركين. معنى العبادة لغةً وشرعاً يقول ابن منظور: «العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبَّد إذا كان مذلّلاً بكثرة الوطء... وكل مَن دان لملك فهو عابد له، ومنه: قوله تعالى: (وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ)؛ أي: دائنون»[76]. فالمعنى اللُّغوي للعبادة إذن : هو الخضوع والتذلّل، لكن هذا المعنى لا يمكن أن يكون هو المعنى الشرعي لها، فليس كل تعظيم وخضوع وتذلّل يكون عبادة شرعاً؛ ضرورة أنّ هناك ما لا يُطلَق عليه عبادة مع تحقّق الخضوع والتذلّل فيه، فالإنسان الذي يهجم عليه عدو ويخضع له ويتذلّل لا يقال له: قد عبده. كما أنّ تذلّل الشخص في حضرة الملك وخضوعه له سواء كان بإرادته أم مكرهاً على ذلك لا يُعدّ عبادة عرفاً، كما لم يكن تعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتذلّلهم له وخشوعهم من العبادة في شيء، وهكذا تعظيم العلماء والتذلّل لهم ونحو ذلك، فالعبادة في الشرع تُفارق العبادة في اللّغة، كما هو الحال في مثل الصلاة، فهي في اللّغة عبارة عن: الدعاء، بينما في الشرع عبارة عن: مجموعة من الأفعال والأقوال المخصوصة. من خلال الاستقصاء والاستقراء التاريخي للمفردة، يمكن القول: إنّ الخضوع الذي كان يمارسه المشركون تجاه الأصنام ونحوها، والذي وُصف بأنّه عبادة لها، لم يكن خضوعاً وتذلّلاً مجرّداً، بل ناجماً عن عقيدة خاصة في الآلهة والأرباب، والاعتقاد بأنّ لهم حظّاً من الربوبية والتدبير. وهذا المعنى هو الصحيح والقريب من المعنى اللُّغوي، فإنّ الشخص في المرتبة الأُولى لا بدّ أن يعتقد أنّ ثمّة صفات ذاتية تستوجب عبادة شيء، ثمّ في المرتبة اللاحقة يتّجه لتحقيق تلك العبادة فعلاً وخارجاً؛ أي: إنّه لا بدّ من اعتقاده بأُلوهية شيء حتى يخضع له ويتذلّل ويكون ذلك عبادة. وهذا يعني أنّ العبادة لا تكون إلّا في شيء يُعتقد أنّه يستحق العبادة. وعندئذ تكون العبودية والإلوهية قد أُخِذَت قيداً بمرتبة سابقة في معنى العبادة؛ أي: إنّ العبادة هي الخضوع والتذلّل والتعظيم والطاعة لشيء يُعتَقد أنّه يستحقّ العبادة والإلوهية؛ أي: فيه خصوصية الربوبية. فمعنى العبادة شرعاً كما عرّفها بعض العلماء هو الإتيان بأقصى الخضوع قلباً وقالباً، فالقلبية: اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضرّ ونفوذ المشيئة لا محالة لمن اعتقد فيه ذلك. والقالبية: هي الإتيان بأنواع الخضوع الظاهري من قيام وركوع وسجود وغيرها مع ذلك الاعتقاد القلبي، فإن أتى بواحد منها من دون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعاً ولو كان سجوداً. وبهذا التعريف يتّضح أنّ الاعتقاد هو الأساس في صيرورة الفعل المُتعبَّد به عبادياً؛ ولهذا فمن يحكم بكفر الساجد للصنم؛ إنّما لكونه أمارة وعلامة على ذلك الاعتقاد، لا لأنّه كفرٌ من حيث ذاته؛ إذ لو كان لذاته كفراً لما كان جائزاً ومباحاً في شريعة قط، وسيكون من موارد الفحشاء، والله تعالى لا يأمر بالفحشاء، بينما كان السجود لغير الله عزّ وجلّ على وجه التحية والتكريم مشروعاً في الشرائع السابقة، وإنّما حُرِّم في هذه الشريعة، فمن فعله لأحد تحية وإعظاماً من غير أن يعتقد فيه ربوبية وإن كان آثماً بذلك السجود، لكنه لا يكون به كافراً، إلّا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له. ويشهد لهذا ما أورده القرآن في قصّة نبيّ الله يعقوب عليه السلام وامرأته وبنيه حين دخلوا على يوسف، يقول تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)[77]، ويفسِّر ابن كثير هذه الآية: «أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلاً... وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام ، فحُرِّم هذا في هذه الملّة، وجُعِل السجود مختصاً بجناب الربّ سبحانه وتعالى»[78]؛ ويشهد على صحّة ذلك أيضاً ما ورد في القرآن من أمر الله تعالى لملائكته بالسجود لآدم؛ إكراماً لآدم عليه السلام . وبما مرّ يتّضح أنّه ليس كل تعظيم لشيء عبادة له شرعاً، حتى يكون شركاً[79]. وفي المحصّلة؛ فإنّ حقيقة العبادة تقوم بأمرين: الأوّل: يرجع إلى جوارح الإنسان المشعرة بالتعظيم والخضوع. الثاني: يرجع إلى عقيدة الخاضع في حقّ المخضوع له بنحو من الأنحاء، من كونه خالقاً أو ربّاً أو مَن بيده مصير الإنسان كلاً أو جزءاً. فلا يتحقّق مفهوم العبادة إلّا بتحقّقهما معاً[80]. فلا يكون من العبادة فعلُ السجود والركوع والوقوف والقنوت والطواف والسعي، وكذلك إطلاق المجامر وإيقاد الشموع ونحوها، إلّا إذا صُرِفَ لمن يُعتقَد فيه الإلوهية والربوبية[81]. فعندئذ يكون ما ذُكِرَ من تعاريف يظهر منها العموم، لا بدّ أن يكون المقصود منها مقيَّداً بهذا القيد. ومن هذه التعريفات ما ذكره ابن تيمية من أنّ العبادة: «اسمٌ جامعٌ لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة، والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام... والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة»[82]. مضافاً إلى أنّ هذا التعريف فيه خلطٌ بين العبادة وبين ما يوجب القربى، فهناك أُمور توجب رضا الله وتستوجب ثوابه قد تكون عبادة كالصوم والصلاة والحج ونحوها، وقد تكون موجبة للقربى إليه دون أن تُعدّ عبادة كالإحسان إلى الوالدين، والعطف على اليتيم، والتصدّق على الفقير ونحو ذلك، وتسميتها بالعبادة إنّما بلحاظ كونها نظير العبادة في ترتّب الثواب عليها. ويمكن التسامح وإطلاق اسم العبادة بالمعنى الأعمّ عليها في مقابل العبادة بالمعنى الأخص التي تتعلّق بما ثبت أنّه عبادة فعلاً من الشارع. وبعد معرفة حقيقة العبادة ومقوّماتها، سيكون التقييم عندئذ واضحاً لما ذكره ابن تيمية ومَن تبعه أمثال محمد بن عبد الوهاب ومَن كان على نهجهم التكفيري من الموارد التي زعموا أنها عبادة لغير الله، كزيارة القبور والأضرحة والتوسّل ونحو ذلك. الفكر التكفيري وزيارة القبور هناك هوسٌ وحسّاسية مفرطة في الفكر التكفيري تجاه زيارة القبور مع ثبوت جواز زيارتها[83] وربّما يمكن التعبير عن ذلك بالأزمة القبورية، فالعقل التكفيري قد عُبِّئ بمفاهيم خاطئة وبشكل مستمر بما يكفي لتأصيل نزعة تتجه للحكم بالكفر والشرك على كل مَن يزور القبور، ويُخرجه عن الملّة، بحيث أضحت مسألة شرك القبور هي الطامة الكبرى والمصيبة العظمى التي ينبغي صرف الجهود المادية والعلمية لمعالجتها، وأصبحت الشغل الشاغل في حياة المسلمين، بينما تُرِكَت الكثير من المشاكل الخطيرة والأكثر أهمّية بلا حلول، والمنطلق كما قلنا هو رؤيتهم القاصرة للتوحيد والشرك، وأنّ في زيارة القبور تعظيماً للميّت وتذلّلاً وخشوعاً يجعله في مطاف العبادة لغير الله تعالى، بينما الحقيقة أنّه عندما يزور المسلمون قبر نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم تعظيماً له واعتقاداً منهم أنّه حيٌّ يسمع ويرد السلام، كما يرجون شفاعته يوم القيامة، لا شكّ في أنّ هذا ليس شركاً؛ لخلوّه من اعتقاد الإلوهية كما ذكرنا، كما أنّ متفرّعات زيارة القبور كالبناء عليها، واتخاذها مسجداً ليس ممّا له صلة بالعقيدة الإسلامية حتى تكون مناطاً للتوحيد والشرك، وإنّما هي من المسائل الفقهية التي يدور أمرها بين الإباحة والكراهة والاستحباب وغيرها، ولا يصحّ لمسلم أن يتّخذ تلك المسألة ذريعة للشرك والتكفير[84]. الفكر التكفيري والتوسّل يزعم التيّار التكفيري انطلاقاً من رؤيته الضيِّقة في التوحيد والشرك أنّ التوسّل بالأولياء والصالحين عبادة لغير الله تعالى؛ لأنّ الدعاء عبارة عن النداء وطلب الحاجة، ولا شكّ عندهم في أنّ الدعاء عبادة للمدعو؛ لأنّه يتضمّن قصداً وتوجّهاً، وهذه الأُمور هي روح العبادة وقوامها؛ ولذا ورد في الحديث: «إنّ الدعاء مخّ العبادة»[85]، وبالتالي يكون دعاء غير الله تعالى وندبته وطلب الحاجة منه عبادة له، وهو من أوضح أنواع الشرك في العبادة، ويُعبَّر عنه بالشرك الصريح أو الشرك الأكبر الذي يوجب الرّدة والارتداد عن الدين. ولا ينبغي جعل وسائط مع الله تعالى، وهناك من القرآن ما يمنع هذا النحو من التوسّل، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ)[86]. والجواب يتّضح بما ذكرنا من تعريف العبادة المتقوّمة بأمرين: الأوّل منها يرجع إلى جوارح الإنسان المشعرة بالتعظيم والخضوع. والثاني: أن يتوفَّر لدى الفرد اعتقادٌ بأنّ المدعو فيه خصيصة الربوبية، كما إذا اعتقد الداعي أنّ المدعو مستقلٌّ بالقدرة، غنيٌّ بالذات، وأمّا إذا اعتقد الداعي أنّ المدعو يستمدّ القدرة من الله تعالى، وأنّه إنّما حصل عليها لتقواه وقربه من الله تعالى، وأنّ الداعي إنّما يدعوه نظراً لقربه ووجاهته عند الله تعالى، وأنّ تكريم الله له بالقرب والوجاهة يكون إذناً منه للاستشفاع والتوسّل والتوجّه به إليه عزّ وجلّ، فإنّ دعاء ذلك الغير يُعدّ حينئذ توجّهاً وقصداً إلى الذات الإلهية؛ فلا يوجد عندئذ عبادة تستوجب الشرك[87]. والآية التي ذُكِرَت لا تمتّ للاستدلال بشيء؛ كونها تختص بالمشركين الذين كانوا يعبدون أولياءهم ويتقرّبون بهم إلى الله، يقول الطبري: «وقوله:( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَىٰ)، يقول تعالى ذكره: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولّونهم، ويعبدونهم من دون الله، يقولون لهم: ما نعبدكم أيّها الآلهة إلّا لتقرّبونا إلى الله زُلفى، قربة ومنزلة، وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا»[88]. أمّا الآيات القرآنية التي تمنع دعاء غير الله، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)[89]. وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ )[90]. وقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا)[91]، فإنّ الدعاء في هذه الآيات وغيرها إن قصرناه على المعنى المتعارف للدعاء ولم نفسِّره بالعبادة فهو يرجع إلى دعاء المشركين لمن يعتقدون فيهم الإلوهية وخصائص الربوبية؛ ولهذا يعبدونهم، فهو الذي يكون دعاء العبادة، بينما المتوسِّل لا يعبد إلّا الله الواحد الأحد، ودعاؤه ليس اعتقاداً منه بقدرة المتوسَّل به الذاتية على الاستجابة كما مرّ، بل يتوسّل بالصالحين؛ لتقواهم وعظيم إيمانهم؛ لأجل قضاء حاجته واستجابة دعائه من الله تعالى؛ ظنّاً منه أنّ ذنوبه التي ارتكبها تكون حائلاً بينه وبين ربّه في قضاء حاجته، فلا يستجيب الله له مباشرة؛ فيُقدِّم ما يعتقد أنّه وسيلة لقضاء حاجته من عند الله تعالى. وقد ثبت جواز ذلك ولا حرمة فيه. ولا فرق في ذلك بين كون الطلب لأمر لا يقدر عليه إلّا الله تعالى، المعبَّر عنه بدعاء العبادة، وبين أمر يقدر عليه غير الله تعالى، المعبَّر عنه بدعاء المسألة، أو بين دعاء الحي ودعاء الميت، فالجميع خاضع لمعيار واحد، وهو: أنّ السائل إن اعتقد فيمن يسأله بالإلوهية فهو شرك، وإلّا فلا. [1] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج 2، ص25. [2] الأنفال: آية24. [3] اُنظر: الجوهري، إسماعيل، الصحاح: ج2، ص547. وأيضاً: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج3، ص450. وأيضاً: الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط: ج1، ص414. [4] الرازي، محمد بن عمر، تفسير الرازي: ج4، ص196. [5] الفيومي، محمد بن علي، المصباح المنير: ج4، ص499. [6] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج3، ص206. [7] النساء: آية48. [8] النساء: آية116. [9] المائدة: آية72. [10] الأعراف: آية190. [11] اُنظر: الراغب الإصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات غريب القرآن: ص 260. [12] المعتق، عواد، بعض أنواع الشرك الأصغر، مجلة البحوث الإسلامية: ج20، ص151. [13] النِّد: الضدّ والشبيه. اُنظر: ابن منظور، جمال الدين، لسان العرب: ج3، ص264. [14] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج5، ص 148. [15] اُنظر: المعتق، عواد، بعض أنواع الشرك الأصغر، مجلة البحوث الإسلامية: ج20، ص151. [16] يوسف: آية106. [17] القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي: ج1، ص 358. [18] التوبة: آية30. [19] المائدة: آية18. [20] يونس: آية65. [21] اُنظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج11، ص276. [22] المصدر السابق: ج2، ص203. [23] المصدر السابق: ج12، ص172. [24] المصدر السابق: ج4، ص39. [25] الصدوق، محمد بن علي، الخصال: ص137. [26] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج9، ص158. [27] اُنظر: السمعاني، عبد الكريم، الأنساب: ج3، ص273. [28] التهانوي، محمد بن علي، كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: ج1، ص968. [29] اُنظر: أحمد فريد، السلفيّة قواعد وأُصول: ص7. واُنظر: عمارة، محمد، السلفيّة: ص8. [30] اُنظر: عمارة، محمد، السلفيّة،: ص8. [31] أحمد فريد، السلفيّة قواعد وأُصول: ص7. واُنظر: البوطي، محمد سعيد، السلفيّة مرحلة زمنيّة لا مذهب إسلامي: ص9. [32] البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج 3، ص151. واُنظر: أحمد فريد، السلفيّة قواعد وأُصول: ص6. [33] اُنظر: عمارة، محمّد، السلفيّة: ص13. [34] اُنظر: اللالكائي، هبة الله، شرح أُصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة: ص156ـ 164. وأيضاً: ابن حنبل، أحمد، أُصول السنّة: ص14وما بعدها. وأيضاً: أبو يعلى، محمد بن الحسين، الأحكام السلطانيّة: ص12. [35] ابن تيميّة، أحمد، مجموع الفتاوى: ج10، ص234. [36] اُنظر: ابن تيميّة، أحمد، قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة: ص256. [37] اُنظر: أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلاميّة: ص205. [38] ابن تيميّة، أحمد، مجموع الفتاوى: ج28، ص499. [39] اُنظر: أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلاميّة: ص190، ص211. وأيضاً: ظاهر، محمد كامل، الدعوة الوهابيّة وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث: ص8ـ 19. وأيضاً: رشيد رضا، محمد، الوهابيّون والحجاز: ص6، ص47. [40] اُنظر: رشيد رضا، محمد، الوهابيّون والحجاز: ج1، ص38ـ42. [41] اُنظر: ابن بشر، عثمان بن عبد الله، تاريخ نجد: ص36، وأيضاً: الألباني، محمد ناصر، تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد: ص9 وما بعدها. [42] المصدر السابق: ص 48. [43] اُنظر: غنّام، حسين، تاريخ نجد: ص95ـ 109. [44] المصدر السابق: ص47 ـ50. [45] ابن تيمية، أحمد، مجموع الفتاوى: ج1، ص376. [46] اُنظر: المالكي، حسن فرحان، داعية وليس نبياً: ص77. [47] اُنظر: المصدر السابق: ص81 وما بعدها. وقد فصَّل المؤلّف في مذهب التكفير عند ابن عبد الوهاب، وذكر نماذج كثيرة صريحة وواضحة في تكفيره المسلمين، وقد اعتمد على كتاب الدرر السنيّة. [48] اُنظر: السقاف، حسن بن علي، صحيح العقيدة الطحاوية: ص105ـ 106. [49] اُنظر: فتاوى اللجنة الدائمة: ج26، فتوى رقم 9772. [50] ابن تيمية، أحمد، الاستقامة: ج2، ص31. [51] ابن تيمية، أحمد، منهاج السنّة: ج3، ص171. [52] ابن عبد الوهاب، محمد، مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان: ص365ـ 366. [53] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان: ج1، ص 238. [54] الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان: ج3، ص17. [55] اُنظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج1، ص400. [56] الطبرسي، الفضل بن الحسن، تفسير مجمع البيان: ج1، ص55. [57] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ج1، ص20. [58] اُنظر: السبحاني، جعفر، الإلهيات: ص403. [59] ابن تيمية، أحمد، درء تعارض العقل والنقل: ج4، ص352. [60] ابن تيمية، أحمد، منهاج السنّة: ج5، ص233. [61] لقمان: آية25. [62] الزخرف: آية87. [63] الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج17، ص266. [64] اُنظر: الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج15، ص137. [65] السبحاني، جعفر، التوحيد والشرك: ص62. [66] السبحاني، جعفر، الإلهيات: ص65. [67] الأحقاف: آية13. [68] فصّلت: آية30. [69] يونس: آية31. [70] ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة: ج2، ص382. [71] الطباطبائي، محمد حسن، تفسير الميزان: ج11، ص290. [72] المصدر السابق: ج10، ص53. [73] الأعراف: أیة:127. [74] اُنظر: المعتق، عواد، توحيد الإلوهية، مجلة البحوث الإسلامية: ج76، ص94. [75] المصدر السابق: ج76، ص105. [76] ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب: ج3، ص273. [77] یوسف: أیة:100. [78] ابن كثير، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم: ج2، ص509. [79] اُنظر: القضاعي، سلامة، البراهين الساطعة في ردّ بعض البدع الشائعة: ص376ـ 380. [80] اُنظر: السبحاني، جعفر، بحوث قرآنية في التوحيد والشرك: ص 44. [81] اُنظر: المسعري، محمد بن عبد الله، التوحيد: ص267. [82] ابن تيمية، أحمد، العبودية: ص44. [83] اُنظر على سبيل المثال: النيسابوري، مسلم، صحيح مسلم: ج3، ص65. [84] السبحاني، جعفر، بحوث قرآنية في التوحيد والشرك: ص69. [85] الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي: ج5، ص126. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج7، ص27. [86] الزمر: آية3. [87] اُنظر: السند، محمد، الإمامة الإلهية: ج4، ص230. [88] الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان: ج23، ص227. [89] الأعراف: آية197. [90] الرعد: آية14. [91] الإسراء: آية56.