موقف علماء الإسلام من الشفاعة

shafaat موقف علماء الإسلام من الشفاعةيتّسم الدين الإسلامي في أبرز ما يتّسم به، بأنّه دين الدنيا والآخرة، ومن هنا يجب على المسلم أن يهتم بالجانبين، فيعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، ويتزوّد من حياته الحاضرة لحياته الأبديّة المستقبلة كما قال تعالى: «وابتغ فيما آتاك اللَّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا» (القصص/ 77).ولهذا كان من الواجب على المسلم أن يعمل بالفرائض الدينية، ويتجنّب المحرّمات الإلهية، ويلتزم بقواعد الشرع الحنيف، جهد إمكانه، فيصلّي الخمس، ويصوم شهر رمضان، ويزكّي ماله، ويحجّ بيت اللَّه الحرام، ويأمر بكل خير قَدِر عليه، ويعتمد في تحصيل السعادة الأُخروية على العمل الصالح، والطاعة للَّه‏ تعالى، كيف وقد نصّت الآيات القرآنية على أنّ كلّ امرئ مرهون بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟
كما نصّت الأحاديث الشريفة المأثورة عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم وعترته الطاهرة وصرّحت بضرورة العمل والطاعة للحصول على النجاة والسعادة الأُخرويتين.
الشفاعة، ص: 5
فقد روي أنّ الإمام جعفر الصادق عليه السلام أمر بحضور جميع أقربائه قبيل وفاته، ثمّ التفت إليهم وأكّد على أهمية الصلاة. وإليك الحديث بأكمله:
روى أبو بصير عن أصحاب الإمام قال: دخلت على أُم حَمَيْدة (زوجة الإمام جعفر الصادق عليه السلام) أُعزِّيها بأبي عبد اللَّه عليه السلام فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللَّه عليه السلام عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه، ثم قال: «اجمعوا كلّ من بيني وبينه قرابة».
قالت: فما تركنا أحداً إلّاجمعناه، فنظر إليهم ثم قال: «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة» «1».
فليس للمسلم أن يعول على شي‏ء إذا أهمل الواجبات وترك الفرائض، أو استهان بها.
نعم، خلق الإنسان ضعيفاً- بحكم جبلته- محاصَراً بالشهوات، محاطاً بالغرائز، ولذلك ربما سها ولها، وربّما بدرتْ منه معصية، واستحوذ عليه الشيطان، ووقع في شباكه وشراكه، فعصى من حيث لا يريد، وخالف من حيث لا يجب، ثم تعرض لضغط الوجدان، ووخْزِ الضمير، فهل له أن ييأس في هذه الحالة ويقنط، وقد قال ربّ العزّة: «لا ييأس من روح اللَّه إلّاالقوم الكافرون» (يوسف/ 87).
كلّا ليس له إلّاالرجاء في رحمة اللَّه، والأمل في عفوه ولطفه، وقد فتح الإسلام نوافذ الأمل والرجاء أمام العاصي النادم، ليعود إلى ربه، ويواصل مسيرة تكامله في ثقة وطمأنينة.
ومن هذه النوافذ: التوبة والإنابة والاستغفار، ومنها: الشفاعة
__________________________________________________
(1) الحر العاملي: الوسائل: 3/ 71.
الشفاعة، ص: 6
للمذنبين، الشفاعة التي تنالهم وفق معايير وردت في الكتاب والسنّة، الشفاعة التي يبعث الأمل فيها بصيصاً من الرجاء في نفوس العصاة، ويمنع من قنوطهم ويأسهم، ويبعث فيهم روح العمل والنشاط.
وهذا لا يعني تمهيد الطريق للعصاة، لما للشفاعة من شروط وقيود، بل هي عملية زرع الأمل، والرجاء في النفوس، مادام الأصل هو العمل والإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات.
وتوضيحاً لهذه الحقيقة، وتبييناً لهذا المفهوم القرآني الإسلامي أعددنا هذه الرسالة، آملين أن نلقي الضوء على إحدى السبل الإسلامية لمعالجة اليأس والقنوط الذي يصيب المذنبين.
المؤلف‏
الشفاعة، ص: 7
أجمع علماء الأُمة الإسلاميّة على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أحد الشفعاء يوم القيامة مستدلّين على ذلك بقوله سبحانه: «ولسوف يعطيك ربّك فترضى» (الضحى/ 5) والذي أُعْطي هو حقّ الشفاعة الذي يُرضيه، وبقوله سبحانه: «عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً» (الإسراء/ 79) واتّفق المفسّرون على أنّ المقصود من المقام المحمود، هو مقام الشفاعة.
إنّ الشفاعة من المعارف القرآنية التي لا يصح لأحد من المسلمين إيجاد الخلاف والنقاش في أصلها، وإن كان يمكن لهم الاختلاف في بعض فروعها، فها نحن نورد آراء كبار علماء الإسلام- من القدامى والجدد- حتى يُعلَم موقِفهم من هذا الأصل:
1- قال أبو منصور الماتريدي السمرقندي (ت 333 ه)، إمام أهل السنّة في المشرق الإسلامي، بعد أن أورد قوله سبحانه: «ولا يقبل منها
الشفاعة، ص: 8
شفاعة» (البقرة/ 48)، وقوله تعالى: «ولا يشفعون إلّالمن ارتضى» (الأنبياء/ 28) قال: إنّ الآية الأُولى وإن كانت تنفي الشفاعة، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير إليها هذه الآية «1».
2- وقال تاج الإسلام أبوبكر الكلاباذي (ت 380 ه): إنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ الإقرار بجملة ما ذكر اللَّه سبحانه وجاءت به الروايات عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم في الشفاعة واجب، لقوله تعالى: «ولسوف يعطيك ربّك فترضى» (الضحى/ 5) ولقوله: «عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً» (الإسراء/ 79) وقوله: «ولا يشفعون إلّالمن ارتضى» (الأنبياء/ 28). وقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي» «2».
3- وقال الشيخ المفيد (336- 413 ه): اتّفقت الإماميّة على أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمته، وإنّ أمير المؤمنين عليه السلام يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وإنّ أئمة آل محمد عليهم السلام كذلك، وينجي اللَّه بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين «3».
وقال في موضع آخر: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يشفع يوم القيامة في مذنبي أُمته فيشفّعه اللَّه عزّ وجلّ، ويشفع أمير المؤمنين فيشفّعه اللَّه عزّ وجلّ، وتشفع الأئمة في مثل ما ذكرناه فيُشفّعهم اللَّه، ويشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته، ويشفّعه اللَّه. وعلى هذا
__________________________________________________
(1) تفسير الماتريدي المعروف ب «تأويلات أهل السنّة»: ص 148، والمشار إليه هي الآية الثانية.
(2) التعرّف لمذهب أهل التصوّف: تحقيق د. عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، ص 54- 55.
(3) أوائل المقالات، ص 15.
الشفاعة، ص: 9
القول إجماع الإمامية إلّامن شذّ منهم، وقد نطق به القرآن، وتظاهرت به الأخبار، قال اللَّه تعالى في الكفار عند إخباره عن حسراتهم وعلى الفائت لهم ممّا حصل لأهل الإيمان: «فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم» (الشعراء/ 100)؛ وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّي أشفع يوم القيامة فأُشفّع، ويشفع عليّ عليه السلام فيشفّع، وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من إخوانه «1».
4- وقال الشيخ الطوسي (385- 460 ه): حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم فَيشفِّعه اللَّه تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما روي من قوله عليه السلام: إدّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي، والشفاعة ثبت عندنا للنبي، وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين «2».
5- قال القاضي عياض بن موسى (ت 544 ه): مذهب أهل السنّة هو جواز الشفاعة عقلًا ووجودها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنّة عليها «3».
6- وقال الإمام أبو حفص النسفي (ت 538 ه): والشفاعة ثابتة
__________________________________________________
(1) أوائل المقالات، ص 53.
(2) التبيان للشيخ الطوسي: 1/ 213- 214.
(3) النوويّ: شرح صحيح مسلم: 3/ 35، دار إحياء التراث العربي.
الشفاعة، ص: 10
للرسل والأخيار في حقّ الكبائر بالمستفيض من الأخبار «1».
وقد أيّد التفتازاني في «شرح العقائد النفسية» هذا الرأي وصدّقه دون أي تردّد أو توقف «2».
7- وقال الزمخشري (ت 538 ه) في تفسير قوله تعالى: «ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل» (البقرة/ 48): كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فَأُويِسوا.
ثم أتى بكلام في حد الشفاعة وأنّها للمطيعين لا للعاصين، وسنوافيك عن ذلك في فصل خاص «3».
8- قال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي في‏كتابه «الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال»: وأمّا من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها، وأمّا من آمن بها وصدّقها وهم أهل السنّة والجماعة فأولئك يرجون رحمةَ اللَّه، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادّخرت لهم، وليس في الآية دليل لمنكريها، لأنّ قوله «يوماً» في قوله: «واتّقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة» (البقرة/ 48) أخرجه منكراً. ولا شك أنّ في القيامة مواطن، يومها معدود بخمسين ألف سنة. فبعض أوقاتها ليس زماناً للشفاعة وبعضها هو الوقت الموعود، وفيه المقام المحمود لسيّد البشر، عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقد وردت آيات كثيرة ترشد إلى تعدّد أيامها واختلاف أوقاتها،
__________________________________________________
(1) العقائد النسفية: ص 148.
(2) العقائد النسفية: ص 148.
(3) الكشاف، 1/ 314- 315.
الشفاعة، ص: 11
منها قوله تعالى: «فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون» (المؤمنون/ 101)، مع قوله: «وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» (الصافات/ 27)، فيتعيّن حمل الآيتين على يومين مختلفين ووقتين متغايرين، أحدهما محل للتساؤل، والآخر ليس له، وكذلك الشفاعة، وأدلّة ثبوتها لا تُحصى‏ كثرة «1».
9- قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: «واتّقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة» (البقرة/ 48): ربّما تجعل الآية ذريعة على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وأُجيبوا بأنّها مخصوصة بالكفار، للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة. ويؤيده أنّ الخطاب هنا مع الكفار، والآية نزلت ردّاً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم «2».
10- وقال الفتال النيسابوري- من علماء القرن السادس الهجري-: لا خلاف بين المسلمين أنّ الشفاعة ثابتة مقتضاها إسقاط المضار والعقوبات «3».
11- وقال الرصاص الذي هو من علماء القرن السادس الهجري في كتابه «مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم»: إنّ شفاعة النبي صلى الله عليه و آله و سلم يوم القيامة ثابتة قاطعة «4».
وقال ابن تيمية الحراني الدمشقي (ت 728 ه): للنبي صلى الله عليه و آله و سلم في‏
__________________________________________________
(1) الانتصاف المطبوع بهامش الكشاف، 1/ 214، ط 1367 ه.
(2) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1/ 152.
(3) روضة الواعظين، ص 406.
(4) مصباح العلوم في معرفة الحي القيوم المعروف ب (ثلاثين مسألة).
الشفاعة، ص: 12
يوم القيامة ثلاث شفاعات- إلى أن قال:- وأمّا الشفاعة الثالثة فيشفع في من استحقّ النار وهذه الشفاعة له صلى الله عليه و آله و سلم ولسائر النبيّين والصدّيقين وغيرهم في من استحق النار أن لا يدخلها ويشفع في من دخلها «1».
12- وقال ابن كثير الدمشقي (ت 773 ه) في تفسير قوله سبحانه: «من ذا الذي يشفع عنده إلّابإذنه» (البقرة/ 255): هذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزّ وجلّ أنّه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلّابإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم:
«آتي تحت العرش فأخرّ ساجداً، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع. قال: فيحدّ لي حدّاً فأدخلهم الجنّة» «2».
13- وقال نظام الدين القوشجي (ت 879 ه) في شرحه على «تجريد الاعتقاد»: اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لقوله تعالى:
«عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً» وفسّر بالشفاعة «3».
14- قال المحقّق الدواني: الشفاعة لدفع العذاب، ورفع الدرجات حق لمن أذن له الرحمن من الأنبياء، والمؤمنين بعضهم لبعض، لقوله تعالى: «يومئذٍ لا تنفع الشّفاعة إلّالمن أذن له الرحمن ورضي له قولًا» «4»
.
__________________________________________________
(1) مجموعة الرسائل الكبرى، 1/ 403- 404.
(2) تفسير ابن كثير: 1/ 309- والحديث مروي في صحيح البخاري في تفسير سورة الإسراء، ج 6، لكن بلفظ آخر.
(3) علاء الدين القوشجي: شرح التجريد: ص 501، ط 1307 ه.
(4) الدواني: شرح العقائد العضدية: ص 207، ط. مصر.
الشفاعة، ص: 13
15- قال الشعراني، في المبحث السبعين: إنّ محمداً هو أول شافع يوم القيامة، وأول مشفّع وأولاه فلا أحد يتقدّم عليه، ثم نقل عن جلال الدين السيوطي: إنّ للنبي يوم القيامة ثمان شفاعات، وله صلى الله عليه و آله و سلم يوم القامة ثمان شفاعات: وثالثها: فيمن استحقّ دخول النار أن لا يدخلنها «1».
16- وقال العلّامة المجلسي (ت 1110 ه): أما الشفاعة فاعلم أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنّها من ضروريات الدين وذلك بأنّ الرسول يشفع لأُمته يوم القيامة، بل للأُمم الأُخرى، غير أنّ الخلاف إنّما هو في معنى الشفاعة وآثارها هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات، أو إسقاط العقوبة عن المذنبين؟ والشيعة ذهبت إلى أنّ الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر، ويعتقدون أيضاً بأنّ الشفاعة ليست منحصرة في النبي صلى الله عليه و آله و سلم والأئمة عليهم السلام من بعده، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن اللَّه لهم بذلك «2».
17- قال محمد بن عبد الوهاب (1115- 1206 ه): وثبتت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه و آله و سلم يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد، ونسألها من المالك لها والآذن فيها بأن نقول: اللّهمّ شفِّعْ نبينا محمداً فينا يوم القيامة أو اللّهمّ شَفِّعْ فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من اللَّه لا منهم- إلى أن‏
__________________________________________________
(1) الشعراني: اليواقيت والجواهر: 2/ 170.
(2) بحار الأنوار، 8/ 29- 63؛ حق اليقين، ص 473.
الشفاعة، ص: 14
قال:- إنّ الشفاعة حقّ في الآخرة، ووجب على كلّ مسلم الإيمان بشفاعته، بل وغيره من الشفعاء إلّاأنّ رجاءها من اللَّه، فالمتعيّن على كل مسلم صرف وجهه إلى ربّه، فإذا مات استشفع اللَّه فيه نبيه «1».
18- وقال السيد سابق: المقصود بالشفاعة سؤال اللَّه الخير للناس في الآخرة. فهي نوع من أنواع الدعاء المستجاب ومنها الشفاعة الكبرى‏، ولا تكون إلّالسيّدنا محمد رسول اللَّه فانّه يسأل اللَّه سبحانه أن يقضي بين الخلق ليستريحوا من هول الموقف، فيستجيب اللَّه له فيغبطه الأوّلون والآخرون، ويظهر بذلك فضله على العالمين وهو المقام المحمود الذي وعد اللَّه به في قوله سبحانه: «ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً» (الإسراء/ 79). ثم نقل الآيات والروايات الخاصة بالشفاعة والمثبتة لها وقد ذكر بعض شروط قبولها «2».
19- وقال الدكتور سليمان دنيا: والشفاعة لدفع العذاب ورفع الدرجات حقّ لمن أذن له الرحمن من الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: «يومئذٍ لا تنفع الشّفاعة إلّالمن أذن له الرحمن ورضي له قولا» وقوله: «من ذا الذي يشفع عنده إلّابإذنه» «3»
.
20- يقول الشيخ محمد الفقي: وقد أعطى اللَّه الشفاعة لنبيه ولسائر الأنبياء والمرسلين وعباده الصالحين وكثير من عباده المؤمنين، لأنّه وإن كانت الشفاعة كلّها للَّه‏كما قال: «للَّه‏الشفاعة جميعاً» إلّاأنّه‏
__________________________________________________
(1) الهدية السنية، الرسالة الثانية، ص 42.
(2) العقائد الإسلامية، ص 73.
(3) محمد عبده: بين الفلاسفة والكلاميين: 2/ 628.
الشفاعة، ص: 15
تعالى يجوز أن يتفضّل بها على من اجتباهم من خلقه واصطفاهم من عباده وكما يجوز أن يعطي من ملكه ما شاء لمن شاء ولا حرج «1».
هذا نزر من كثير، وغيض من فيض أوردناه ليكون القارئ على بصيرة من موقف علماء الإسلام من هذه المسألة المهمة. والاستقصاء لكلمات المفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين، يدعونا إلى تأليف مفرد في خصوص هذا الفصل والغرض إراءة نماذج من كلماتهم. وهي نصوص وتصريحات لا تترك ريباً لمرتاب، ولا شكاً لأحد بأن الشفاعة أصل من أصول الإسلام نطق بها الكتاب الكريم، وصرّحت بها السنّة النبوية والأحاديث المعتبرة من العترة الطاهرة، وأنّ الاختلاف إنّما هو في معناها وبعض خصوصياتها وسنوافيك بالتفاصيل.
__________________________________________________
(1) التوسل والزيارة في الشريعة المقدسة، ص 206، ط. مصر.
الشفاعة، ص: 16
2 الشفاعة في القرآن الكريم‏

وردت مادة الشفاعة في القرآن الكريم بصورها المتنوعة ثلاثين مرّة في سور شتى، ووقعت فيها مورداً للنفي تارة والإثبات أُخرى‏. هذا وينمّ كثرة ورودها والبحث حولها عن مدى اهتمام القرآن بهذا الأصل سواء في مجال النفي أو في مجال الإثبات. غير أنّ الاستنتاج الصحيح من الآيات يحتاج إلى جمع الآيات على صعيد واحد، حتى يفسّر بعضها بعضاً ويكون البعض قرينة على الأُخرى‏.
ومن الواضح أنّ الآيات المتعلّقة بالشفاعة على أصناف، يرمي كلّ صنف إلى هدف خاص كالآتي:
الشفاعة، ص: 17
1- الصنف الأول: ما ينفي الشفاعة
وهو آية واحدة، يقول سبحانه وتعالى: «يا أيّها الذين آمنوا أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خُلّة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون» (البقرة/ 254): إلّاأنّ الآية اللاحقة لهذه الآية تصرّح بوجود الشفاعة عند اللَّه سبحانه، إلّاأنّها مشروطة بإذنه: «من ذا الذي يشفع عنده إلّابإذنه» (البقرة/ 255).
قال العلّامة الطباطبائي: «إنّ لوازم المخالّة إعانة أحد الخليلين الآخر في مهام أُموره، فإذا كانت لغير وجه اللَّه كان نتيجتها الإعانة على الشقوة الدائمة والعذاب الخالد كما قال تعالى بشأن الظالمين يوم القيامة: «يا ويلتى‏ ليتني لم أتّخذ فلاناً خليلًا* لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني» الفرقان/ 28- 29). أمّا الأخلّاء من المتقين فإن خُلَّتهم تتأكد وتنفعهم يومئذٍ. وفي الخبر النبوي: إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام وقلّت الأنساب وذهبت الإخوة إلّاالإخوة في اللَّه، وذلك قوله:
«الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوّ إلّاالمتقين» (الزخرف/ 67) «1».
وعلى ذلك، فكما أنّ المنفيّ هو قسم خاص من المخالة دون مطلقها، فهكذا الشفاعة، فالمنفيّ بحكم السياق، قسم خاص من الشفاعة. أضف إلى ذلك أن الظاهر هو نفي الشفاعة في حق الكفار بدليل ما ورد في ذيل الآية، حيث قال: «والكافرون هم الظالمون».
__________________________________________________
(1) الميزان، 18/ 128.
الشفاعة، ص: 18
2- الصنف الثاني: ما يفنّد عقيدة اليهود في الشفاعة
وهو الآيات التي خاطبت اليهودَ الذين كانوا يعتقدون بأنّ أنبياءهم وأسلافهم يشفعون لهم وينجُّوهم من العذاب سواء كانوا عاملين بشريعتهم أو عاصين، وأنّ مجرد الانتماء والانتساب يكفيهم في ذلك المجال. يقول تعالى: «يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنّي فضّلتكم على العالمين* واتّقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون» (البقرة/ 47- 48).
إنّ وحدة السياق تقضي بأنّ الهدفَ من نفي قبول الشفاعة هو الشفاعة الخاطئة التي كانت تعتقدها اليهود في تلك الفترة من دون أن يشترطوا في الشفيع والمشفوع له شرطاً أو أمراً. ولا صلة لها بالشفاعة المحدودة المأذونة.
*** 3- الصنف الثالث: ينفي شمولَ الشفاعة للكفّار
وهو الآيات التي يستشف منها نفي وجود الشفيع يوم القيامة للكفّار الذين انقطعت علاقتهم عن اللَّه لأجل الكفر به وبرسله وكتبه، كما انقطعت علاقتهم الروحية عن الشفعاء الصالحين لأجل انهماكهم في الفسق والأعمال السيّئة، فانّه ما لم يكن بين الشفيع والمشفوع له،
الشفاعة، ص: 19
ارتباطٌ روحي لا يقدر أو لا يقوم الشفيع على إنقاذه وتطهيره وتزكيته.
يقول تعالى: «يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نردّ فنعمل غير الذي كنّا نعمل قد خسروا أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون» (الأعراف/ 53) ويقول تعالى أيضاً:
«إذ نسوّيكم بربّ العالمين* وما أضلّنا إلّاالمجرمون* فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم» (الشعراء/ 98- 101) ويقول أيضاً: «وكنّا نكذّب بيوم الدين* حتّى أتانا اليقين* فما تنفعهم شفاعة الشافعين» (المدثر/ 46- 48).
*** 4- الصنف الرابع: ينفي صلاحية الأصنام للشفاعة
وهذا الصنف يرمي إلى نفي صلاحية الأصنام للشفاعة، وذلك لأنّ عرب الجاهلية كانت تعبد الأصنام لاعتقادها بشفاعتها عند اللَّه، وهذه الآيات هي:
أ- «وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتهم أنهم فيكم شركاء لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون» (الأنعام/ 94).
ب- «ويعبدون من دون اللَّه ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه قل أتنبّئون اللَّه بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عمّا يشركون» (يونس/ 18).
ج- «ولم يكن لهم من شركائهم شفعاؤا وكانوا بشركائهم كافرين» (الروم/ 13).
الشفاعة، ص: 20
د- «أم اتّخذوا من دون اللَّه شفعاء قل أَوَلوْ كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون» (الزمر/ 43).
ه- «ءأتّخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضرّ لا تغن عنّي شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون» (يس/ 23). والحاصل أنّ القرآن مع أنّه فنّد العقائد الجاهلية وعقائد الوثنيين في باب الشفاعة، وأبطل كون النظام السائد في الآخرة عين النظام السائد في الدنيا، لم يُنكِر الشفاعة بالمرّة، بل أثبتها لأوليائها، في إطار خاص وبمعايير خاصة. وعلى ذلك فالآيات النافية نزلت بشأن تلك العقيدة السخيفة التي التزمت بها الوثنية وزعمت بموجبها وحدة النظامين، وأنّ تقديم القرابين والصدقات إلى الأصنام والخشوع والبكاء لديهم، يُصحِّح قيامهم بالشفاعة وأنّهم قادرون على ذلك بتفويض منه سبحانه إليهم، بحيث صاروا مستقلين في الفعل والترك.
والآيات المثبتة تشير إلى الشفاعة الصحيحة التي ليست لها حقيقةٌ سوى جريان فيضه سبحانه ومغفرته من طريق أوليائه إلى عباده بإذنه ومشيئته تحتَ شرائط خاصة.
*** 5- الصنف الخامس: يخص الشفاعة به سبحانه‏
وهذه الآيات تبيّن أنّ الشفاعة مختصّة باللَّه سبحانه لا يشاركه فيها غيره، والآيات الكريمة هي:
الشفاعة، ص: 21
أ- «وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع لعلهم يتّقون» (الأنعام/ 51).
ب- «وذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرّتهم الحياة الدنيا وذكّر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون اللَّه ولي ولا شفيع» (الأنعام/ 70).
ج- «اللَّه الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستّة أيام ثم استوى‏ على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكّرون» (السجدة/ 4).
د- «قل للَّه‏الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون» (الزمر/ 44).
وجدير بالذكر أنّ اللَّه سبحانه لا يشفع لأحد عند أحد، فإنّه فوق كل شي‏ء، وذلّ كل شي‏ء لديه، وبذلك يُصبح معنى قوله سبحانه: «للَّه الشفاعة جميعاً» رفضاً لعقيدة المشركين التي أشار إليها سبحانه في آية سابقة، أعني: «أم اتّخذوا من دون اللَّه شفعاء» (الزمر/ 43)، فيكون المراد أنّ كل شفاعة فانّها مملوكة للَّه‏فانّه المالك لكل شي‏ء ومنه شفاعتهم، فلا يشفع أحد إلّابإذنه.
فهنا شفاعتان: إحداهما للَّه، والأُخرى لعباده المأذونين. فما للَّه فمعناها: مالكيّته لكل شفاعة مأذونة بالأصالة لا أنّه سبحانه يشفع لأحد لدى أحد. وأما ما لعباده المأذونين، فهي شفاعتهم لمن ارتضاه سبحانه:
وسنوافيك توضيحه في الصنف السادس من الآيات.
الشفاعة، ص: 22
6- الصنف السادس: يثبت الشفاعة لغيره سبحانه بشروط
إنّ هذا الصنف من الآيات يصرّح بوجود شفيع غير اللَّه سبحانه وأن شفاعته تقبل عند اللَّه تعالى في إطار خاص وشرائط معيّنة في الشفيع والمشفوع له. وهذه الآيات وإن لم تتضمن أسماء الشفعاء، أو أصناف المشفوع لهم، إلّاأنّها تحدّد كلّاً منهما بحدود واردة في الآيات:
أ- «من ذا الذي يشفع عنده إلّابإذنه» (البقرة/ 255).
ب- «ما من شفيع إلّامن بعد إذنه» (يونس/ 3).
ج- «لا يملكون الشفاعة إلّامن اتّخذ عند الرحمن عهداً» (مريم/ 87).
والضمير في قوله «لا يملكون» يرجع إلى الآلهة التي كانت تعبد، وأُشير إليه في قوله سبحانه «واتّخذوا من دون اللَّه آلهةً ليكونوا لهم عزّاً* كلّا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدّاً» (مريم/ 81- 82).
د- «يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلّامن أذن له الرحمن ورضي له قولًا» (طه/ 109).
ه- «ولا تنفع الشفاعة عنده إلّالمن أذن له حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربّكم قالوا الحقّ وهو العلي الكبير» (سبأ/ 23).
و- «ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلّامن شهد بالحقّ وهم يعلمون» (الزخرف/ 86).
والضمير المتّصل في «يدعون» يرجع إلى الآلهة الكاذبة
الشفاعة، ص: 23
كالأصنام فهؤلاء لا يملكون الشفاعة إلّامن شهد بالحق وهم يعلمون، أي شهد بعبوديّة ربّه ووحدانيّته كالملائكة والمسيح.
ويستفاد من هذه الآيات الأُمور التالية:
1- إنّ هذه الآيات تصرّح بوجود شفعاء يوم القيامة يشفعون بشروط خاصة وإن لم تصرّح بأسمائهم وسائر خصوصياتهم.
2- إنّ شفاعتهم مشروطة بإذنه سبحانه، حيث يقول: «إلّابإذنه».
3- يشترط في الشفيع أن يكون ممّن يشهد بالحق، أي يشهد باللَّه سبحانه ووحدانيته وسائر صفاته.
4- أن لا يظهر الشفيع كلاماً يبعث غضب اللَّه سبحانه، بل يقول قولًا مرضياً عنده، ويدل عليه قوله: «ورضي له قولًا».
5- أن يعهد اللَّه سبحانه له بالشفاعة كما يشير إليه قوله: «إلّامن اتخذ عند الرحمن عهداً». ثم إنّ هناك سؤالًا يطرح في هذا المقام، وهو كيف يصح الجمع بين هذا الصنف من الآيات التي تثبت الشفاعة لغيره سبحانه، والصنف الخامس الذي يخصّها باللَّه سبحانه؟
والجواب: إنّ مقتضى التوحيد في الأفعال، وأنّه لا مؤثر في عالم الكون إلّااللَّه سبحانه، ولا يوجد في الكون مؤثر مستقل سواه، وإنّ تأثير سائر العلل إنّما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه ومشيئته، والاعتراف بمثل العلل التابعة لا ينافي انحصار التأثير الاستقلالي في اللَّه سبحانه، ومن ليس له إلمامٌ بالمعارف القرآنية يواجه حيرة كبيرة تجاه طائفتين من الآيات؛ إذ كيف يمكن أن تنحصر شؤون وأفعال، كالشفاعة
الشفاعة، ص: 24
والمالكية والرازقية، وتوفّي الأرواح والعلم بالغيب والإشفاء باللَّه سبحانه، كما عليه أكثر الآيات القرآنية، بينما تنسب هذه الأفعال في آيات أُخرى إلى غير اللَّه من عباده. فكيف ينسجم هذا الانحصار مع هذه النسبة؟ غير أن الملمّين بمعارف الكتاب العزيز يدركون أنّ هذه الأُمور على وجه الاستقلال والأصالة قائمة باللَّه سبحانه، مختصة به، في حين أنّ هذه الأُمور تصدر من الغير على وجه التبعية وفي ظل القدرة الإلهية.
وقد اجتمعت النسبتان في قوله تعالى: «وما رميت إذ رميت ولكنّ اللَّه رمى» (الأنفال/ 17). فهذه الآية عندما تنسب الرمي بصراحة إلى النبي الأعظم، تَسْلِبه عنه وتنسِبه إلى اللَّه سبحانه، ذلك لأنّ انتساب الفعل إلى اللَّه (الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد، بحيث ينبغي أن يعتبر الفعلُ فعلًا للَّه، ولكن شدّة الانتساب لا تسلب المسؤولية عن العبد.
وعلى ذلك فإذا كانت الشفاعة عبارة عن سريان الفيض الإلهي (أعني: طهارة العباد عن الذنوب وتخلّصهم عن شوائب المعاصي) على عباده، فهي فعل مختصّ باللَّه سبحانه لا يقدر عليه أحد إلّابقدرته وإذنه.
وبذلك تصح نسبتُه إلى اللَّه سبحانه بالأصالة وإلى غيره بالتبيعة، ولا منافاة بين النسبتين، كالملكية، فاللَّه سبحانه مالك الملك والملكوت، ملك السماوات والأرض بإيجاده وإبداعه، ثم يملكه العبد منه بإذنه ولا منافاة في ذلك، لأنّ الملكية الثانية على مدى الملكية الأُولى‏. ونظيرها كتابة أعمال العباد، فالكاتب هو اللَّه سبحانه، حيث يقول: «واللَّه يكتب‏
الشفاعة، ص: 25
ما يبيّتون» (النساء/ 81) وفي الوقت نفسه ينسبها إلى رسله وملائكته، ويقول: «بلى ورسلنا لديهم يكتبون» (الزخرف/ 80). فإذا كانت الملائكة والأنبياء والأولياء مأذونين في الشفاعة، فلا مانع من أن تنسب إليهم الشفاعة، كما تنسب إلى اللَّه سبحانه، غير أنّ أحدهما يملك هذا الحقّ بالأصالة والآخر يملكها بالتبعية.
*** الصنف السابع: يُسمّي من تقبل شفاعتُه‏
ويتضمّن هذا الصنف أسماء وخصوصيات من تُقْبل شفاعته يوم القيامة. وهذه الآيات هي:
أ- «وقالوا اتّخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون* يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلّالمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون» (الأنبياء/ 26- 28).
وهذه الآيات تصرّح بأنّ الملائكة التي اتّخذها المشركون أولاداً للَّه سبحانه، معصومون من كل ذنب لا يسبقون اللَّه بالقول وهم بأمره يعملون، ولا يشفعون إلّالمن ارتضاه اللَّه سبحانه، وهم مشفقون من خشيته.
ب- «وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلّامن بعد أن يأذن اللَّه لمن يشاء ويرضى» (النجم/ 26).
وهذه الآية كالآية السابقة تفيد كون الملائكة ممّن ترضى‏
الشفاعة، ص: 26
شفاعتهم بإذن اللَّه سبحانه في حقّ من يشاء اللَّه ويرضاه.
ج- «الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للّذين آمنوا» (غافر/ 7).
وهذه الآية تعد حملة العرش ومن حوله ممّن يستغفرون للّذين آمنوا. والآية مطلقة، تشمل ظروف الدنيا والآخرة. وهل طلب المغفرة الّا الشفاعة في حقّ المؤمنين؟
هذه هي الأصناف السبعة من الآيات الواردة في الشفاعة. فهي غير نافية على وجه الإطلاق، ولا مثبتة كذلك، بل تثبتها تحت شروط خاصة وتصرّح بوجود شفعاء مأذونين ولا يذكر أسماءهم سوى الملائكة وذلك للمصلحة الكامنة في هذا الإبهام، ولأجل أن يتميّز المقبول من المرفوض نورد خلاصة الآيات:
الشفاعات المرفوضة:
1- الشفاعة التي كانت تعتقدها اليهود الذين رفضوا كل قيد وشرط في جانب الشافع والمشفوع له، واعتقدوا أنّ الحياة الأُخروية كالحياة الدنيوية، حيث يُمكن التخلّص من عذاب اللَّه سبحانه بالفداء.
وقد ردّ القرآن في كثير من الآيات وقال: «ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون» (البقرة/ 48) وقد أوردنا هذا في الصنف الثاني من الأصناف السبعة المذكورة.
2- الشفاعة في حقّ من قطعوا علاقاتهم الإيمانية مع اللَّه سبحانه‏
الشفاعة، ص: 27
فلم يؤمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته، أو أفسدوا في الأرض، وظلموا عباده، أو غير ذلك ممّا يوجب قطع رابطة العبد مع اللَّه سبحانه حتى صاروا أوضح مصداق لقوله سبحانه: «نسوا اللَّه فأنساهم أنفسهم» (الحشر/ 19)، وقوله سبحانه: «قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى» (طه/ 126)، وقوله سبحانه: «فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا» (الأعراف/ 5) إلى غير ذلك من الآيات الواردة في حق المشركين والكافرين والظالمين والمفسدين؛ وهؤلاء كما قطعوا علاقتهم الإيمانية مع اللَّه سبحانه كذلك قطعوا صلاتهم المعنوية مع الشافع، فلم تبق بينهم وبين الشافعين آية مشابهة تصحح شفاعتهم له.
وقد ورد في الصنف الثالث من الأصناف السبعة المذكورة ما يوضح هذا الأمر.
3- الأصنام التي كانت العرب تعبدها كذباً وزوراً، وقد نفى القرآن أن تكون هذه الأصنام قادرة على الدفاع عن نفسها فضلًا عن الشفاعة في حقّ عبادها. (لمزيد من التوضيح راجع الصنف الرابع من الأصناف المذكورة).
هذه هي الشفاعات المرفوضة في القرآن الكريم.
الشفاعات المقبولة
أما الشفاعات المقبولة فهي:
1- الشفاعة التي هي من حقّ اللَّه سبحانه، وليس للمخلوق أن‏
الشفاعة، ص: 28
ينازعه في هذا الحق أو يشاركه فيه (لاحظ الصنف الخامس من الأصناف السبعة).
2- شفاعة فئة خاصة من عباد اللَّه سبحانه، الذين تقبل شفاعتهم عند اللَّه بشروط خاصة ذكرت في الآيات الواردة في الصنف السادس وإن لم تُذكَر أسماؤهم وخصوصياتهم.
3- شفاعة الملائكة وحملة العرش ومن حوله، حيث يستغفرون للّذين آمنوا، فهؤلاء يقبل استغفارهم الذي هو قسم من الشفاعة، والفرق بين هذا وما تقدّم، هو أنّه قد ذكرت أسماء الشفعاء وخصوصياتهم في هذه الآيات دون ما تقدمها.
وبالوقوف على هذه الأصناف السبعة بإمكاننا تمييز الشفاعة المرفوضة عن المقبولة كما نصّ عليها القرآن الكريم.
الشفاعة، ص: 29
3 حقيقة الشفاعة

إنّ الشفاعة في القرآن الكريم على معان أو أقسام ثلاثة:
أ- الشفاعة التكوينية.
ب- الشفاعة القيادية.
ج- الشفاعة المصطلحة.
أ- الشفاعة التكوينية
اتّفق الواعون من المسلمين على أنّه لا مؤثر مستقل في الوجود غيره سبحانه، وأنّ غيره مفتقر في الوجود والتأثير إليه سبحانه، ولأجل ذلك صار شعار القرآن في حق الإنسان وفي حق غيره قوله: «يا أيّها
الشفاعة، ص: 30
الناس أنتم الفقراء إلى اللَّه واللَّه هو الغني الحميد* إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد* وما ذلك على اللَّه بعزيز» (فاطر/ 15- 17) وقوله سبحانه:
«واللَّه الغني وأنتم الفقراء» (محمد/ 38) وقال سبحانه على لسان نبيّه الكريم: «ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير» (القصص/ 24).
فبما أنّ عالم الكون عالم إمكاني لا يملك من لدن ذاته وجوداً ولا كمالًا، بل كلّ ما يملك من وجود وكمال فقد أُفيض إليه من جانبه سبحانه فهو بحكم الإمكان موجود مفتقر في عامة شؤونه وتأثيره وعلّيته.
ونظراً لتوقف تأثير كل ظاهرة كونيّة على إذنه سبحانه كما جاء في قوله تعالى: «إنّ ربكم اللَّه الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ما من شفيع إلّامن بعد إذنه ذلكم اللَّه ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون» (يونس/ 3) فانّ الآية بعدما تصف اللَّهَ سبحانه بأنّه خالق السماوات والأرض في ستة أيام وأنّه استوى بعد ذلك على العرش، وأنّه يدبر أمر الخلق، تُعلِن بأنّ كل ما في الكون من العلل الطبيعية والظواهر المادية يؤثر بعضه في البعض بإذنه سبحانه، وأنّه ليست هناك علّة مستقلة في التأثير، بل كل ما في الكون من العلل، ذاته وتأثيره، قائمان به سبحانه وبإذنه، فالمراد من الشفيع في الآية هو الأسباب والعلل المادية وغيرها، الواقعة في طريق وجود الأشياء وتحقّقها وإنّما سمِّيت العلة شفيعاً، لأنّ تأثيرها يتوقف على إذنه سبحانه، فهي (مشفوعةً إلى إذنه سبحانه) تؤثر وتعطي ما تعطي.
الشفاعة، ص: 31
وعلى ذلك تخرج الآية عن الدلالة على الشفاعة المصطلحة بين المفسّرين وعلماء الكلام، وإنّما اخترنا هذا المعنى لوجود قرائن في نفس الآية، فانّها تبحث في صدرها عن خلق السماوات والأرض وتحديد مدّة الخلق والإيجاد بستة أيام، ثم ترجع الآية، وتنص على سعة قدرته على جميع ما خلق وإحاطته بهم، وانّه بعدما خلق السماوات والأرض، استوى على عرش القدرة وأخذ يدبّر العالم.
وعند ذلك يتساءل القارئ: إذا كان هو المدبر والمؤثر فما حال سائر المدبرات والمؤثرات التي يلمسها البشر في حياته؟ فللإجابة على هذا السؤال قال سبحانه: «ما من شفيع إلّامن بعد إذنه» مصرِّحاً بأنّ كل تأثير وتدبير في سبب من الأسباب إنّما هو بإذنه ومشيئته ولولا إذنه ومشيئته لما قام السبب بالسببية، ولا العلة بالعلية، وهذه القرائن توجب حمل هذه الجملة على ما يجري في عالم الكون والوجود من التأثير والعلية، وتفسيرها بالشفاعة التكوينية، وأنّ كل ظاهرة مؤثرة كالشمس والقمر والنار والماء لا تؤثر إلّابالاستمداد من قدرته سبحانه والاعتماد على إذنه ومشيئته حتى يتم بذلك التوحيد في الخالقية والتدبير.
*** ب- الشفاعة القيادية
وهو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعمالهم‏
الشفاعة، ص: 32
وآثار سيئاتهم. والفرق بين الشفاعة المصطلحة والشفاعة القيادية هو أنّ الشفاعة المصطَلحة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له، والشفاعة القيادية توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق.
والظاهر أنّ إطلاق الشفاعة على هذا القسم ليس إطلاقاً مجازياً، بل إطلاق حقيقي. وقد شهد بذلك القرآن والأخبار، قال سبحانه: «وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع لعلّهم يتّقون « (الأنعام/ 51). والضمير المجرور في «به» يرجع إلى القرآن «1»
.
ولا شك أنّ ظرف شفاعة هذه الأُمور إنّما هو الحياةُ الدنيويةُ، فانّ تعاليم الأنبياء وقيادتهم الحُكمية وهداية القرآن وغيره، إنّما تتحقّق في هذه الحياة الدنيوية، وإن كانت نتائجها تظهر في الحياة الأُخروية، فمن عمل بالقرآن وجعله أمامه في هذه الحياة، قاده إلى الجنّة في الحياة الأُخروية. ولأجل ذلك نرى أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يأمر الأُمة بالتمسك بالقرآن ويصفه بالشفاعة ويقول: «فإذا التَبَست عليكم الفتنُ كقطع الليل المظلم فعليكُم بالقرآن فإنّه شافعٌ مشفَّع وماحِل مصدَّق، ومن جَعَلَه أمامَه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفَه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبرهان» «2».
فإنّ قوله: «ومن جعله أمامه»، تفسير لقوله: «فإنّه شافع مشفَّع».
والحاصل: أنّ الشفاعة القيادية شفاعة بالمعنى اللغوي، فإنّ المكلّفين‏
__________________________________________________
(1) الطبرسي: مجمع البيان: 2/ 304.
(2) الكليني: الكافي: 2/ 238.
الشفاعة، ص: 33
بضم هداية القرآن وتوجيهات الأنبياء والأئمة إلى إرادتهم وطلباتهم، يفوزون بالسعادة ويصلون إلى أرقى المقامات في الحياة الأُخروية ويتخلّصون عن تبعات المعاصي ولوازمها.
فالمكلّف وحده لا يصل إلى هذه المقامات، ولا يتخلّص من تبعات المعاصي، كما أنّ خطاب القرآن والأنبياء وحده- من دون أن يكون هناك من يسمع قولهم ويلبّي نداءهم- لا يؤثر ما لم ينضم إليه عمل المكلّف إلى هدايتهم، وهدايتهم إلى عمل المكلّف فعندئذٍ تتحقّق هذه الغاية.
*** ج- الشفاعة المصطلحة
وحقيقة هذه الشفاعة لا تعني إلّاأن تصل رحمتهُ سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوةَ عباده، وليس هذا بأمرٍ غريب. فكما أنّ الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه، تصل إلى عباده في هذه الدنيا عن طريق أنبيائه وكتبه، فهكذا تصل مغفرته سبحانه وتعالى إلى المذنبين والعصاة يوم القيامة من عباده عن ذلك الطريق.
ولا يبعد في أن يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة عن طريق خِيرة عباده، فإنّ اللَّه سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سبباً، ونصّ بذلك في بعض آياته. فنرى أنّ أبناء يعقوب لمّا عادوا
الشفاعة، ص: 34
خاضعين، رجعوا إلى أبيهم، وقالوا له: «يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين» (يوسف/ 97) فأجابهم يعقوب بقوله: «سوف أستغفر لكم ربّي إنّه هو الغفور الرحيم» (يوسف/ 98).
ولم يقتصر الأمر على يعقوب فحسب، بل كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ممّن يستجاب دعاؤه أيضاً في حق العصاة، قال سبحانه: «ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك فاستغفروا اللَّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللَّه توّاباً رحيماً» (النساء/ 64). وهذه الآيات ونظائرها ممّا لم نذكرها مثل قوله: «وصلّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم» (التوبة/ 103) تدل على أنّ مغفرته سبحانه قد تصل إلى عباده بتوسيط واسطة كالأنبياء، وقد تصل بلا توسيط واسطة، كما يفصح عنه سبحانه بقوله: «يا أيّها الذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبةً نصوحاً» (التحريم/ 8) وقوله: «واستغفروا ربّكم ثم توبوا إليه إنّ ربّي رحيم ودود» (هود/ 90). إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن أنّ توبة العبد تجلب المغفرة بلا واسطة أحد وقد تصل بتوسيط واسطة هي من أعز عباده وأفضل خليقته وبريته.
وتتضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق- وبخاصة دعاء الصالحين- من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول، ولا تنحصر العلة في العلل الواقعة في إطار الحس فإنّ في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا وحواسنا، بل قد تكون بعيدة حتى عن تفكيرنا، يقول سبحانه: «والنازعات غرقاً* والناشطات نشطاً* والسابحات سبحاً* فالسّابقات سبقاً* فالمدبرات أمراً» (النازعات/ 1- 5).
الشفاعة، ص: 35
فما المراد من هذه «المدبّرات أمراً» أهي مختصة بالمدبرات الطبيعية المادية، أو المراد هو الأعم منها؟ فقد روي عن علي عليه السلام تفسيرها بالملائكة الأقوياء، الذين عهد اللَّه إليهم تدبير الكون والحياة بإذنه سبحانه، فكما أنّ هذه المدبرات يجب الإيمان بها وإن لم تعلم كيفية تدبيرها وحقيقة تأثيرها، فكذلك الدعاء يجب الإيمان بتأثيره في جلب المغفرة، ودفع العذاب وإن لم تعلم كيفية تأثيره.
الشفاعة، ص: 36
4 مبرّرات الشفاعة

هناك مبررات لجعل الشفاعة من أسباب المغفرة ورفع العذاب، نورد بعضها على سبيل المثال:
أ- ابتلاء الناس بالذنب والتقصير
ربما يقال: إذا كان المنقذ الوحيد للإنسان يوم القيامة هو عمله الصالح كما صُرّح به في الآيات فلماذا جعلت الشفاعة وسيلة للمغفرة وسبباً لرفع العذاب، أوَ ليس اللَّه بقائل: «وأمّا من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى» (الكهف/ 88)، «فأمّا من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين» (القصص/ 67)، «ويلكم ثواب اللَّه خير لمن آمن وعمل‏
الشفاعة، ص: 37
صالحاً» (القصص/ 80) وعلى ذلك فلماذا أُدْخِلت الشفاعة في سلسلة العلل لجلب المغفرة؟
الإجابة على هذا السؤال واضحة فالفوز بالسعادة وإن كان يعتمد على العمل أشدّ الإعتماد، غير أن صريح الآيات الأُخر هو أنّ العمل بنفسه ما لم تنضم إليه رحمته الواسعة لا يُنقِذ الإنسان من تبعات تقصيره، قال سبحانه: «ولو يؤاخذ اللَّه الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابّة ولكن يؤخّرهم إلى أجل مسمّى» (النحل/ 61)، «ولو يؤاخذ اللَّه الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة» (فاطر/ 45).
ب- سعة رحمته لكل شي‏ء
إنّ التدبّر في الآيات القرآنية يعطي أنّ رحمة اللَّه سبحانه واسعة تسع كلّ الناس، إلّامن بلغ حداً لا يقبل التطهّر ولا الغفران. قال سبحانه حاكياً عن حملة العرش: «الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شي‏ء رحمة وعلماً فاغفر للّذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم» (غافر/ 7) نرى أنّ حملة العرش يدللون طلب غفرانه سبحانه للتائبين والتابعين لسبيله، بكون رحمته واسعة وسعت كل شي‏ء.
كما نرى أنّه سبحانه يأمر نبيّه أن يواجه الناس كلّهم- حتى المكذّبين لرسالته- بقوله: «فإن كذّبوك فقل ربّكم ذو رحمة واسعة» (الأنعام/ 147) ونرى في آية ثالثة يعد الذين يجتنبون الكبائر بالرحمة
الشفاعة، ص: 38
والمغفرة ويقول: «الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلّااللَّمَمَ إنّ ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم» (النجم/ 32) وهذه الآيات توضح مضامين الأدعية الإسلامية من قوله عليه السلام: «يا من سبقت رحمتُه غضبَه».
كيف لا! ونحن نرى أنّ اللَّه سبحانه يعد القانط من رحمة اللَّه والآيس من روحه كافراً وضالًاّ، ويقول: «ولا تيأسوا من روح اللَّه إنّه لا ييأس من روح اللَّه إلّاالقوم الكافرون» (يوسف/ 87)، ويقول تعالى أيضاً: «ومن يقنط من رحمة ربّه إلّاالضالّون» (الحجر/ 56)، ويقول سبحانه: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه إنّ اللَّه يغفر الذنوب جميعاً إنّه هو الغفور الرحيم» (الزمر/ 53).
فإذا عرَّفَنا القرآن أنّ اللَّه سبحانه ذو رحمة واسعة تفيض على كل شي‏ء، فعند ذلك لا مانع من أن تفيض رحمته وغفرانه عن طريق أنبيائه ورسله وأوليائه، فيقبل أدعيتهم في حقّ عباده بدافع أنّه سبحانه ذو رحمة واسعة، كما لا مانع أن يعتقد العصاة في شرائط خاصة بغفرانه سبحانه من طرق كثيرة لأجل أنّه عدّ القانط ظالًاّ والآيس كافراً.
وإجمالًا: فكما يجب على المربّي الديني أن يذكّر عباد اللَّه بعقوبته وعذابه وما أعدّ للعصاة والكفّار من سلاسل ونيران، يجب عليه أيضاً أن يذكّرهم برحمته الواسعة ومغفرته العامة التي تشمل كل شي‏ء، إلّا من بلغ من الخبث والرداءة درجة لا يقبل معها التطهير كما قال سبحانه: «إنّ اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (النساء/ 48).
الشفاعة، ص: 39
ج- الأصل هو السلامة
دلّت التجارب والبراهين العقلية على أنّ الأصل الأوّلي في الخليقة هو السلامة، وأنّ المرض والانحراف أمران يعرضان على المزاج، ويزولان بالمداواة والمعالجة، وليس هذا الأصل مختصاً بالسلامة من حيث العيوب الجسمانية، بل الأصل هو الطهارة من الأقذار والأدران المعنوية، فقد خلق الإنسان على الفطرة النقيّة السليمة من الشرك والعصيان التي أشار إليها القرآن بقوله: «فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها» (الروم/ 30)، وقال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «كُل مولود يولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» «1».
وعلى ذلكّ فلا غرو في أن تزول آثار العصيان عن الإنسان بالعلاج والمداواة الخاصة في مواقف شتى حتى تظهر الخليقة الأُولى‏ التي فُطِر عليها. فقد جعل اللَّه سبحانه المواقف التي يمرّ بها الإنسان بعد موته في البرزخ ويوم القيامة، وسائل لتطهير الإنسان وتصفيته من آثار الذنوب وتبعاتها. ولا غرو في أن يكون الشفعاء المرضيون عند اللَّه، أطباء يعالجون أُولئك المرضى، بتصرفاتهم ونفوسهم القويّة حتى يزيلوا عنهم غبار المعصية، ودرن الذنب حتى تعود الجوهرة الإنسانية نقيّةً صافيةً ناصعةً، فيستحقّ الإنسان نعيمَ الآخرة ودخول الجنة إلّامن بلغ حداً لا يقبل العلاج والتداوي، لأجل أنّ ذاته قد انقلبت إلى ما يضاد
__________________________________________________
(1) التاج الجامع للأصول: 4/ 180؛ تفسير البرهان: 3/ 261، الحديث 5.
الشفاعة، ص: 40
الجوهرة الإنسانية النقية التي لا تقبل أيّةَ مداواة أو علاج، كما لو اتّخذ لربّه شريكاً فاستحق الخلودَ في النار.
فليس التوقف في البرزخ ولا في المراحل المتنوعة في يوم القيامة ولا الدخول في النار مدةً محدودة ولا شفاعة الأنبياء والأولياء في حقّهم، إلّاتصرّفاً تكوينياً في حقّهم حتى تعود الجوهرة الأوليّة إلى حالتها الطبيعية الأُولى وتصفو من كل شائبةٍ تعلَّقت بها نتيجة العصيان والتمرّد.
د- الآثار البنّاءة والتربويّة للشفاعة
إنّ تشريع الشفاعة، والاعتراف بها في النظام الإسلامي إنّما هو لأجل غايات تربويةٍ تترتب على ذلك التشريع والاعتقاد به، ذلك لأنّ الاعتقاد بالشفاعة المقيّدة بشروط معقولة، من شأنه بعث الأمل في نفوس العصاة وأفئدة المذنبين، يدفعهم إلى العودة عن سلوكهم الإجراميّ، وإعادة النظر في منهج حياتهم.
ولكن هناك من يعترض ويقول: إنّ الشفاعة توجب الجرأة وتحيي روح التمرّد في العصاة والمجرمين. إلّاأنّ الواقع يفصح أنّ الشفاعة سبب في إصلاح سلوك المجرم ووسيلة لتخلّيه عمّا يرتكبه من آثام وما يقترفه من ذنوب.
وتظهر حقيقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة، وهي التي اتفقت عليها الأُمة ونصّ عليها الكتاب المجيد والحديث الشريف، فإنّه لو كان‏
الشفاعة، ص: 41
باب التوبة مُوصداً، في وجه العصاة والمذنبين، واعتقد المجرم بأنّ عصيانه مرّة واحدة أو مرّات سيخلده في عذاب اللَّه، ولا مناص له منه، فلا شك أنّ هذا الاعتقاد يوجب التمادي في اقتراف السيّئات وارتكاب الذنوب، لأنّه يعتقد بأنّه لو غيّر وضعه وسلوكه في مستقبل أمره لا يقع ذلك مؤثراً في مصيره وخلوده في عذاب اللَّه. فلا وجه لأن يترك المعاصي ويغادر اللذة المحرّمة، ويتحمّل عناء العبادة والطاعة، بل يستمر في وضعه السابق حتى يوافيه الأجل.
وهذا بخلاف ما إذا وجد الطريق مفتوحاً، والنوافذ مشرعة واعتقد بأنّه سبحانه سيقبل توبته إذا كانت نصوحاً، وأنّ رجوعه هذا سيغيّر مصيره في الآخرة، ويُنقِذه من تبعات أعماله، وأليم العذاب، فعند ذاك سيترك العصيان ويرجع إلى الطاعة ويستغفر لذنوبه ويطلب الإغضاء عن سيئاته.
فهذا الاعتقاد له الأثر البنّاء في تهذيب الناس والشباب خاصة، وكم من شباب اقترفوا السيئات وأمضوا الليالي في اللذة المحرّمة، ثم عادوا إلى خلاف ما كانوا عليه في ظل التَّوبة والاعتقاد بأنّها تجدي المذنبين، وبأنّ أبواب الرحمة والفلاح مفتوحةٌ لم تغلق بعد، فعادوا يسهرون الليالي في العبادة، ويحيونها بالطاعة.
وليس هذا إلّاأثر ذلك الاعتقاد، وذاك التشريع. ومثل ذاك، الاعتقاد بالشفاعة المحدودة، فإنّه إذا اعتقد العاصي بأنّ أولياء اللَّه سبحانه قد يشفعون في حقه في شرائط خاصة إذا لم يهتك الستر، ولم‏
الشفاعة، ص: 42
يبلغ حداً لا تنفع معه شفاعة الشافعين، فعند ذاك سوف يعيدُ النظر في سيرته الشخصيّة، ويحاول تطبيق سلوكه على شرائط الشفاعة حتى يستحقّها، ولا يحرمها.
نعم، إنّ الاعتقاد بالشفاعة المطلقة، المحرّرة من كلّ قيد، من جانب الشفيع والمشفوع له، هو الذي يوجب التجرّي والتمادي في العصيان. وهذه الشفاعة مرفوضة في منطق العقل و القرآن، وكأنّ المعترض قد خلط بين الشفاعة المحدودة والشفاعة المطلقة من كل قيد، ولم يُميز بينهما وبين آثارهما.
فالشفاعة الموجبة للتجرّي ومواصلة العناد والتمرّد، هي الاعتقاد بأنّ الأنبياء والأولياء سيشفعون في حقّه يوم القيامة على كلّ حال وفي جميع الشرائط وإن فعل ما فعل، وارتكب ما ارتكب. وعند ذلك سيستمر في عمله الإجرامي إلى آخر حياته رجاءَ تلك الشفاعة التي لا تخضع لضابط ولا قانون، ولا تقيّد بقيد ولا شرط.
وأمّا الشفاعة التي نطق بها الكتاب وأقرّت بها الأحاديث واعترف بها العقل فهي الشفاعة المحدودة بشرائط في المشفوع له والشافع.
ومجمل تلك الشرائط هو أن لا يقطع جميع علاقات العبودية مع اللَّه، ولا يفصم وشائجه الروحية مع الشافعين، ولا يصل تمرّده إلى حدّ القطيعة ونسف الجسور. فالاعتقاد بهذا النوع من الشفاعة مثل الاعتقاد بتأثير التوبة في الغفران ماهية وأثراً.
الشفاعة، ص: 43
ه- الأمر بيده سبحانه أوّلًا وآخراً
ما ذكرناه من الوجوه هي مبررات الشفاعة والجهات التعليلية لجعلها في صميم العقائد الإسلامية، ومع ذلك كلّه فالأمر إليه سبحانه فهو إن شاء أذن في الشفاعة وإن لم يشأ لم يأذن، وهو القائل سبحانه:
«ما يفتح اللَّه للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم» (فاطر/ 2).
وصفوة القول: إنّ الشفيع إنّما يشفع بإذنه، وفي إطار مشيئَته، وتحت الشروط التي يرتضيها، إذ هو الذي يبعثُ الشفيعَ على أن يشفع في حقّ المشفوع له. وعند ذلك فلا تستلزم شفاعة الشافعين خروج الأمر عن يده، وتحديد سلطته (تعالى) وملكه.
الشفاعة، ص: 44
5 أثر الشفاعة

(هل هو إسقاط العقاب أو زيادة الثواب؟)
هل إنّ نتيجة الشفاعة هو حطّ ذنوب المذنبين وإسقاط العقاب والمضار عنهم والعفو عن العصاة، أم هي زيادة الثواب ورفع الدرجات للمطيعين؟
لقد ذهب جمهور المسلمين إلى الأوّل، والمعتزلة إلى الثاني.
إنّ فكرة الشفاعة كانت عند اليهود والوثنيين قبل الإسلام، إلّاأنّ الإسلام طرحها مهذّبةً من ما علق بها من الخرافات.
وغير خفي على من وقف على آراء اليهود والوثنيين في أمر الشفاعة، أنّ الشفاعة الدارجة بينهم- خصوصاً اليهود- كانت مبنيّة على‏
الشفاعة، ص: 45
رجائهم لشفاعة أنبيائهم وآبائهم في حطّ ذنوبهم وغفران آثامهم، ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي، ويرتكبون الذنوب تعويلًا على ذلك الرجاء.
وفي هذا الموقف يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة الباعثة على الجرأة: «من ذا الذي يشفع عنده إلّابإذنه» (البقرة/ 255). ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المحرّرة من كل قيدٍ: «ولا يشفعون إلّالمن ارتضى» (الأنبياء/ 28). وحاصل الآيتين أنّ أصل الشفاعة التي يدّعيها اليهود ويلوذ بها الوثنيّون حقّ ثابتٌ في الشريعة السماوية، غير أنّ لها شروطاً أهمّها إذنه سبحانه للشافع ورضاؤُه للمشفوع له.
ولعلّ أوضح دليل على عمومية الشفاعة في الإسلام ما اتّفق على نقله المحدِّثون من قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «إدّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي» «1».
فكان دافع المعتزلة بتخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة هو الموقف الذي اتخذوه في حقّ العصاة ومقترفي الذنوب في أبحاثهم الكلامية. فإنّهم قالوا بخلود أهل العصيان في النار.
ومن الواضح أنّ من يتخذ مثل هذا الموقف لا يصح له أن يعمّم آيات الشفاعة إلى العصاة، وذلك لأنّ التخليد في النار لا يجتمع مع التخلص عنها بالشفاعة.
قال الشيخ المفيد: اتّفقت الإمامية على أنّ الوعيد بالخلود في‏
__________________________________________________
(1) سنن ابن ماجة: 2/ 1441 وغيرها، والحديث ممّا اتّفق على نقله المحدثون.
الشفاعة، ص: 46
النار موجهة إلى الكفّار خاصّة، دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة باللَّه تعالى، والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة. وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أنّ الوعيد بالخلود في النار عام في الكفّار وجميع فسّاق أهل الصلاة.
واتّفقت الإمامية على أنّ من عُذِّب بذنبه من أهل الإقرار والمعرفة والصلاة لم يخلد في العذاب وأُخرج من النار إلى الجنة، فينعم فيها على الدوام ووافقهم على ذلك من عددناهم، وأجمعت المعتزلةُ على خلاف ذلك وزعموا أنّه لا يخرج من النار أحدٌ دخلها للعذاب «1».
نعم، نسب العلامة الحلي في «كشف المراد» تلك العقيدة إلى بعض المعتزلة لا إلى جميعهم «2»، وكذلك نظامُ الدين القوشجي في «شرحه على التجريد» «3».
وقد خالفهم أئمة المسلمين وعلماؤهم في هذا الموقف وقالوا بجواز العفو عن العصاة عقلًا وسمعاً.
أمّا العقل فلأنّ العقاب حق للَّه‏تعالى فيجوز تركه.
وأما السمع، فللآيات الدالة على العفو في ما دون الشرك، قال سبحانه: «إنّ اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (النساء/ 48).
__________________________________________________
(1) المفيد: أوائل المقالات: 14.
(2) العلّامة الحلّي: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 261، ط. صيدا.
(3) نظام الدين القوشجي: شرح التجريد: 501.
الشفاعة، ص: 47
والآية واردة في حق غير التائب، لأنّ الشرك مغفور بالتوبة أيضاً، وقال سبحانه: «وإنّ ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم» (الرعد/ 6) أي تشملهم المغفرة مع كونهم ظالمين.
وقال سبحانه: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه إنّ اللَّه يغفر الذنوب جميعاً» (الزمر/ 53)، إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة على العفو في حق العصاة. ومع ذلك لا مانع من شمول أدلّة الشفاعة لهم.
وأوضح دليل على العفو بدون التوبة قوله سبحانه: «وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات» (الشورى/ 25) فإنّ عطف قوله:
«ويعفوا عن السيئات» على قوله: «يقبل التوبة» ب «واو العطف»، يدل على التغاير بين الجملتين، وإنّ هذا العفو لا يرتبط بالتوبة وإلّا كان اللازم عطفُه بالفاء.
وقال سبحانه: «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير» (الشورى/ 30). فإنّ الآية واردةٌ في غير حق التائب، وإلّا فإنّ اللَّه سبحانه يغفر ذنوب التائب جميعها لا كثيرها مع أنّه سبحانه يقول: «ويعفوا عن كثير».
فتلخّص من ذلك أنّه لا مانع من القول بجواز العفو في حق العصاة كما لا مانع من شمول آيات الشفاعة لهم.
نعم، يجب إلفات النظر إلى نكتة وهي أنّ بعض الذنوب الكبيرة ربما تقطع العلائق الإيمانية باللَّه سبحانه، كما تقطع الأواصر الروحية مع‏
الشفاعة، ص: 48
النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم فصاحب هذه المعصية لا تشمله الشفاعة، فيجب عليه دخول النار حتى يتطهّر بالعذاب وتصفو روحه من آثار العصيان، ويليق لشفاعة الشافعين.
الشفاعة، ص: 49
6 طلب الشفاعة من المأذونين بالشفاعة

قد تجلّتِ الحقيقة بأجلى مظاهرها وتبيّن أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم ولفيفاً من الأولياء والصالحين يشفعون عند اللَّه في ظروف خاصة وأنّهم مأذونون من جانبه سبحانه يوم القيامة.
كما أن تبيّن أنّ المفهوم الواضح لدى العامّة من الشفاعة، هو دعاء الرسول وطلبه من اللَّه غفرانَ ذنوب عباده، إذا كانوا أهلًا لها. إذن يرجع طلب الشفاعة من الشفيع إلى طلب الدعاء منه لتلك الغاية، وهل ترى‏ في طلب الدعاء من الأخ المؤمن إشكالًا؟! فضلًا عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، الذي يُستجاب دعاؤه ولا يُردّ بنص الذكر الحكيم «1».
__________________________________________________
(1) النساء/ 64؛ والمنافقون/ 5.
الشفاعة، ص: 50
فعندما كان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم حيّاً في دار هجرته، كان طلبُ أصحابِه الدعاءَ منه، راجعاً إلى طلب الشفاعة منه والاختلاف في الإسم لا في الواقع والحقيقة.
وبعد انتقاله من الدنيا إلى عالم البرزخ، يرجع طلب الشفاعة منه أيضاً إلى طلب الدعاء منه لا غير.
فلو أنّ أعرابياً جاء إلى مسجده فطلب منه أن يستغفر له، فقد طلب منه الشفاعة عند اللَّه. ولو جاء ذاك الرجل بعد رحيله، وقال له: يا أيها النبي، استغفر لي عند اللَّه. أو قال: إشفع لي عند اللَّه فالجميع بمعنى واحدٍ لبّاً وحقيقةً، وإنّما يختلفان صورةً وظاهراً. فالإذعان بصحة أحدِهما، والشك في صحة الآخر كالتفكيك بين المتلازمين.
نعم، هناك سؤالٌ يطرح نفسَه وهو أنّه إذا كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم حيّاً يُرزَق في هذه الدنيا ويسمع كلام السائل، فلا فرق بين طلب الدعاء وطلب الشفاعة.
وأمّا بعد رحيله وانتقاله إلى رحمة اللَّه الواسعة، فلا يسمع كلامَ السائل، بأيّ صفة خاطبَه وكلَّمه سواء أقال: استغفر لي، أم قال: إشفع لي.
والإجابة واضحة، لأنّ الكلام مركَّزٌ في تبيين معنى طلب الشفاعة منه حيّاً وميّتاً وأنّ حقيقته أمرٌ واحدٌ بجميع صوره، وأمّا أنّه يسمع أو لا يسمع، أو أنّ الدعوة تنفع أو لا تنفع، فهو أمرٌ نرجع إليه بعد الفراغ من صميم البحث. ولإيضاح الأمر نورد بعض النصوص من المفسّرين في‏
الشفاعة، ص: 51
تفسير الشفاعة:
قال الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: «الذين يحملون العرش ومَن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للّذين آمنوا ربنا وسعت كل شي‏ء رحمة وعلماً فاغفر للّذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم» (غافر/ 7) إنّ الآية تدل على حصول الشفاعة للمذنبين، والاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تُذْكر إلّافي إسقاط العقاب، أمّا طلب النفع الزائد فإنّه لا يسمّى استغفاراً. وقوله تعالى:
«ويستغفرون للّذين آمنوا» يدل على أنّهم يستغفرون لكل أهل الإيمان، فإذا دللنا على أنّ صاحب الكبيرة مؤمن، وجب دخوله تحت هذه الشفاعة «1».
نرى أنّ الإمام الرازي جعل قول الملائكة في حق المؤمنين والتائبين، من أقسام الشفاعة، وفسّر قوله: «فاغفر للّذين تابوا» بالشفاعة. وهذا دليل واضح على أنّ الدعاء في حق المؤمن، شفاعة في حقّه، وطلبه منه طلبُ الشفاعة.
ونقل نظام الدين النيسابوري، في تفسير قوله تعالى: «مَن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها» (النساء/ 85) عن مقاتل: «إنّ الشفاعة إلى اللَّه إنّما هي دعوة اللَّه لمسلمٍ، لما روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب أُستجيب له، وقال الملك ولك مثل ذلك» «2».
__________________________________________________
(1) مفاتيح الغيب: 7/ 285- 286، ط. مصر، الجزء 27/ 34 ط. دار إحياء التراث الإسلامي، بيروت.
(2) نظام الدين النيسابوري: غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري: 5/ 118.
الشفاعة، ص: 52
والذي يوضح أنّ شفاعة النبي عبارة عن دعائه في حقّ المشفوع له، ما رواه مسلم في «صحيحه» عن النبي الأكرم أنّه قال: «ما من ميّت يُصلّي عليه أُمة من المسلمين يبلغون مائة كلّهم يشفعون له إلّاشُفِّعوا فيه» «1».
وفسّر الشارح قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «يشفعون له» بقوله: أي يدعون له، كما فسّر قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «إلّاشُفِّعوا فيه» بقوله: أي قبلت شفاعتهم.
وروي أيضاً عن عبد اللَّه بن عباس أنّه قال: سمعت رسول اللَّه يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون باللَّه شيئاً إلّاشفّعهم اللَّه فيه» «2» أي قبلت شفاعتهم في حق ذلك الميت فيغفر له.
فإذا كان مرجع الاستشفاع من الصالحين إلى طلب الدعاء، فكل من يطلب من النبي الشفاعة لا يقصد منه إلّاالمعنى الشائع «3».
إلى هنا تبيّن أنّ طلب الشفاعة يرجع إلى طلب الدعاء، وهو أمر مطلوب في الشرع من غير فرق بين طلبه من الشفيع في حال حياته أو مماته، فهو لا يخرج عن حد طلب الدعاء، وأمّا كونه ناجعاً أو لا؟ فهو أمر آخر نرجع إليه كما مرّ.
__________________________________________________
(1) صحيح مسلم: 4/ 53، ط. مصر، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده.
(2) المصدر نفسه.
(3) لو كان للشفاعة معنى آخر من التصرف التكويني في قلوب المذنبين، وتصفيتهم في البرزخ، ومواقف القيامة فهو أمر عقلي لا يتوجّه إليه إلّاالأوحدي من الناس.
الشفاعة، ص: 53
والذي يحقّق هذا الأمر هو صدور مثله من السلف الصالح في الأعصار المتقدمة وإليك نزراً منه:
السلف وطلب الشفاعة من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم‏
1- الأحاديث الإسلامية وسيرة المسلمين تكشفان عن جواز هذا الطلب، ووجوده في زمن النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقد روى الترمذي في «صحيحه» عن أنس قوله: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل»، قال: قلت: يا رسول اللَّه فإنّي أطلبك، فقال: «اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط» «1».
السائل يطلب من النبي الأعظم، الشفاعة دون أن يخطر بباله أنّ هذا الطلب يصطدم مع أُصول العقيدة.
2- هذا سواد بن قارب، أحد أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقول مخاطباً إيّاه:
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة             بمغن فتيلًا عن سواد بن قارب «2»

3- روى أصحاب السير والتاريخ، أنّ رجلًا من قبيلة حمير عرف أنّه سيولد في أرض مكة نبي الإسلام الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم، ولما خاف أن لا يدركه، كتب رسالة وسلّمها لأحد أقاربه حتى يسلّمها إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم حينما يبعث، وممّا جاء في تلك الرسالة قوله: «وإن لم أدرك فاشفع لي‏
__________________________________________________
(1) صحيح الترمذي: 4/ 621، كتاب صفة القيامة، الباب 9.
(2) الإصابة: 2/ 95، الترجمة 3576، وقد ذكر طرق روايته البالغة إلى ست، وراجع أيضاً الروض الأنف: 1/ 139؛ بلوغ الإرب: 3/ 299؛ عيون الأثر: 1/ 72.
الشفاعة، ص: 54
يوم القيامة ولا تنسني» «1» ولمّا وصلت الرسالة إلى يد النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال:
«مرحباً بتُبَّع الأخ الصالح» فإنّ وصف النبي صلى الله عليه و آله و سلم لطالب الشفاعة بالأخ الصالح، أوضح دليل على أنّه أمر لا يتعارض وأُصول العقيدة.
4- وروى المفيد عن ابن عباس أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا غسّل النبي صلى الله عليه و آله و سلم وكفّنه كشف عن وجهه وقال: «بأبي أنت وأُمّي طبتَ حيّاً وطبت ميتاً ... اذكرنا عند ربك» «2» وروى الشريف الرضي في «نهج البلاغة»: أنّ عليّاً عليه السلام قال عندما ولي غسل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «بأبي أنت وأُمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك» «3».
5- روي أنّه لمّا توفي النبي صلى الله عليه و آله و سلم أقبل أبوبكر فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله وقال: «بأبي أنت وأُمّي طبت حياً وميتاً اذكرنا يا محمد عند ربّك ولنكن من بالك» «4».
وهذا استشفاع من النبي صلى الله عليه و آله و سلم في دار الدنيا بعد موته.
6- وختاماً نذكر ما ذكره الدكتور عبد الملك السعدي في كتابه «البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق»: أمّا طلب الشفاعة من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم بصورة عامّة وبدون قيد بعد أذان أو غيره فقد ورد في السنّة،
__________________________________________________
(1) المناقب: ابن شهر آشوب: 1/ 12؛ السيرة الحلبية: 2/ 88.
(2) مجالس المفيد، المجلس الثاني عشر: 103.
(3) الرضي: نهج البلاغة: الخطبة 235.
(4) السيرة النبوية للحلبي: 3/ 474، ط. بيروت، دار المعرفة.
الشفاعة، ص: 55
حيث قد طلبها منه بعض الصحابة- رضي اللَّه عنهم- دون نكير من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم. والأحاديث الواردة بهذا الخصوص وبمواضع ومناسبات عديدة كثيرة جداً نذكر منها:
عن مصعب الأسلمي قال: انطلق غلام منّا فأتى النبي صلى الله عليه و آله و سلم وقال:
إنّي سائلك سؤالًا قال: «وما هو؟» قال: أسألك أن تجعلني ممَّن تشفع له يوم القيامة، قال: «من أمرك هذا؟» أو «من علّمك هذا؟» أو «من دلّك على هذا؟» قال: ما أمرني به أحد إلّانفسي، قال: «فإنّك ممّن أشفع له يوم القيامة». أورده الهيتمي في «مجمع الزوائد» وقال: رواه الطبراني.
وقد أورد الهيتمي بهذا الموضوع كثيراً من الأحاديث «1». هذا في حياته صلى الله عليه و آله و سلم.
أمّا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فهل يصح طلب الشفاعة منه لا سيما أمامَ قبره الشريف وعند السلام عليه؟ بما أنّه ثبت بما لا يقبل الشك أنّ الأموات يسمعون ويتكلّمون ويدعون في عالم البرزخ وبخاصة هو صلى الله عليه و آله و سلم عندما يُسلَّم عليه تردّ إليه روحه الشريفة، فلا موجب للتفرقة في طلب الشفاعة بين حياته قبل انتقاله وبين حياته، الحياة البرزخية بعد انتقاله. ومن ادّعى المنع فعليه بالدليل واللَّه الموفق «2».
كل هذه النصوص تدل على أنّ طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان أمراً جائزاً وشائعاً، وذلك لأنّهم يرونه مثل طلب الدعاء منه، ولا فرق بينها وبينه إلّافي اللفظ، وقد عرفت صحّة إطلاق لفظ الشفاعة على الدعاء، والاستشفاع على طلب الدعاء، وممّا يدلّ على ذلك أنّ البخاري عقد بابين بهذين العنوانين، وهما:
__________________________________________________
(1) مجمع الزوائد: 10/ 369؛ صحيح مسلم: 1/ 289.
(2) الدكتور عبد الملك السعدي: البدعة في مفهومها الإسلامي: 105- 106.
الشفاعة، ص: 56
1- إذا استشفعوا ليستسقى لهم لم يردهم.
2- وإذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط «1».
فنرى أنّ البخاري يطلق لفظ الاستشفاع على الدعاء وطلبه من الإمام في العام المجدب، من دون أن يخطر بباله أنّ هذا التعبير غير صحيح.
وعلى العموم أنّ طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه و آله و سلم داخل فيما ورد من الآيات التالية: «ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك فاستغفروا اللَّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللَّه تواباً رحيماً» (النساء/ 64)، «قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين* قال سوف أستغفر لكم» (يوسف/ 97- 98).
وقوله سبحانه: «وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول اللَّه لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون» (المنافقون/ 5) فكلّ ما يدل على جواز طلب الدعاء من المؤمن الصالح يمكن الإستدلال به على صحة ذلك.
__________________________________________________
(1) البخاري: الصحيح: الجزء 2، كتاب الإستسقاء، الباب 11- 12.
الشفاعة، ص: 57
7 أسئلة حول طلب الشفاعة

قد اتّضح أنّ طلب الشفاعة بمعنى طلب الدعاء، ليس ممّا يرتاب في جوازه مؤمن واعٍ، عارفٌ بالكتاب والسنّة، نعم ربما تُثار هنا شبهات أو أسئلة يجب رفعها أو الإجابة عليها وليست الأسئلة مطروحة على صعيد واحد ولأجل ذلك نذكر كلّ واحدٍ بعنوان يُعرّف مغزاه، والجميع يرجع إلى طلب الدعاء من الشفيع بعد رحيله بعد تجويزه في حياته.
السؤال الأول: الشفيع ميّت كيف يُطلبُ منه الدُعاء؟
إنّ طلب الشفاعة وإن كان طلب الدعاء لكنّه لا جدوى‏ فيه لكون الشفيع بعد الموت لا يستطيع أن يقوم بالدعاء.
الشفاعة، ص: 58
على هامش السؤال‏
السؤال جدير بالدراسة والتحليل، وهو عالق على ذهن لفيف من الناس فهم يناجون في أنفسهم كيف يُطلَب الدُعاء والشفاعة من النبي الأكرم وهو ميّت لا يستطيع على إجابة طلب الطالب؟
أولًا: إنّ الرجوع إلى القرآن المجيد، واستنطاقه في هذا المجال يوقفنا على جليّة الحال، وهو يعترف بموتهم مادياً لا موتهم على الإطلاق، بل يصرّح بحياة لفيف من الناس الذين انتقلوا من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة من صالحٍ وطالحٍ، وسعيدٍ وشقيٍّ، وها نحن نتلو على القارئ الكريم قسماً منها ليقف على أنّ الموت، أمرٌ نسبي، وليس بمطلق، ولو صار بدن الإنسان جماداً، ليس معناه بطلانه وانعدام شخصيته وليس الموت إلّاانتقالًا من دارٍ إلى دارٍ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة وإليك لفيفاً من الآيات:
1- قال سبحانه: «ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون* فرحين بما آتاهم اللَّه من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (آل عمران/ 169- 170).
والآية صريحة في المقصود، صراحةً لا تتصوّر فوقها صراحة، حيث أخبرت الآية عن حياتهم ورزقهم عند ربهم وتبشيرهم لمن لم يلحقوا بهم، وما يتفوهون به في حقهم بقولهم: «ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
الشفاعة، ص: 59
وعلى ذلك فلو كان الشفيع أحد الشهداء في سبيل اللَّه تعالى فهل يكون هذا المطلب لغواً؟!
2- إنّ القرآن يعدّ النبي شهيداً على الأُمم جمعاء، ويقول سبحانه:
«فكيف إذا جئنا من كل أُمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً» (النساء/ 41).
فالآية تصرّح بأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم شاهد على الشهود الذين يشهدون على أُممهم فإذا كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم شاهداً على الأُمم جمعاء، أو على شهودهم فهل تعقل الشهادة بدون الحياة، وبدون الاطلاع على ما تجري فيهم من الأُمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان؟!
ولا يصح لك أن تفسّر شهادة النبي صلى الله عليه و آله و سلم بشهادته على معاصريه فقط، وذلك لأنّه سبحانه عدّ النبي شاهداً في عداد كونه مبشّراً ونذيراً، وهل يتصوّر أحدٌ أن يختص الوصفان الأخيران بمن كان يعاصر النبي؟!
كلّا. فإذن لا وجه لتخصيص كونِهِ شاهداً على الأُمة المعاصرة للنبي صلى الله عليه و آله و سلم.
3- الآيات القرآنية صريحة في امتداد حياة الإنسان إلى ما بعد موته، يقول سبحانه في حقّ الكافرين: «حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون* لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت كلّا إنّها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون» (المؤمنون/ 99- 100).
فهذه الآية تصرّح بامتداد الحياة الإنسانية إلى عالم البرزخ، وإنّ هذا العالم وعاءٌ للإنسان يعذّب فيها مَن يُعذّب وينعَّم فيها من ينعَّم.
الشفاعة، ص: 60
أمّا التنعُّم فقد عرفت التصريح به في الآية الواردة في حقّ الشهداء.
وأمّا العقوبة، فيقول سبحانه: «النار يعرضون عليها غدوّاً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب» (غافر/ 46).
4- هذا هو الذكر الحكيم ينقل بياناً عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة، وأيّد رسل المسيح، فلمّا قتل خوطب باللفظ التالي:
«قيل ادخل الجنة» فأجاب بعد دخوله الجنة: «يا ليت قومي يعلمون* بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين» (يس/ 26- 27) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على امتداد الحياة، واستشعار لفيف من عباد اللَّه لما يجري هنا وهناك، غير أنّا لا نَسمع بيانَهم ولا نفهم خِطابهم، وهم سامعون، عارفون بإذن اللَّه سبحانه.
ثانياً: إنّ الأحاديث الواردة في هذا المورد فوق الحصر فحدِّث عنها ولا حرج، وقد روى المحدِّثون عنه صلى الله عليه و آله و سلم: «ما من أحد يسلّم عليّ إلّا ردّ اللَّه روحي حتى أردّ عليه السلام» «1» كما نَقَلوا قوله: «إنّ للَّه‏ملائكةً سيّاحين في الأرض يبلّغوني من أُمتي السلام» «2».
ثالثاً: نرى أنّه سبحانه يسلم على أنبيائه في آيات كثيرة، ويقول:
«سلامٌ على نوح في العالمين- سلام على إبراهيم- سلام على موسى وهارون- سلام على آل ياسين- وسلام على المرسلين» (الصافات/ 79، 109، 120، 130، 181).
__________________________________________________
(1)
وفاء الوفا: 4/ 1349.
(2) المصدر نفسه: 1350.
الشفاعة، ص: 61
كما يأمرنا بالتسليم على نبيّه والصلوات عليه ويقول بصريح القول: «إنّ اللَّه وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً» (الأحزاب/ 56)، فلو كان الأنبياء والأولياء أمواتاً غير شاعرين لهذه التسليمات والصلوات فأيّ فائدة في التسليم عليهم وفي أمر المؤمنين في الصلاة، بالسلامِ على النبي صلى الله عليه و آله و سلم؟ والمسلمون أجمع يسلّمون على النبي في صلواتهم بلفظِ الخطاب، ويقولون: السلامُ عليك أيّها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، وحَمْلُ ذلك على الشعارِ الأجوف والتحية الجوفاء، أمرٌ لا يجترئ عليه من له إلمامٌ بالقرآن والحديث.
السؤال الثاني: الشفيع ميّت وهو لا يسمع؟
هذا هو السؤال الثاني الذي ربّما يُطرَح في المقام، وهو أيضاً جديرٌ بالدراسة، ولكنّه في التحقيق صورةٌ صغيرة من السؤال السابق، فالتركيز- هنا- على خصوص عدم السماع، ولكنّه في السابق على معنىً أعم وهو عدم الاستطاعة على شي‏ء سماعاً كان أو غيره.
ونقول: ربما يقال: ظاهر الذكر الحكيم على أنّ الموتى لا يسمعون، حيث شبّه المشركين بهم. ووجه الشبه هو عدم السماع. قال:
«إنّك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصمّ الدعاء إذا ولّوا مدبرين» (النمل/ 80)، فالآية تصف المشركين بأنّهم أموات وتشبِّهُهُم بها، ومن المعلوم أنّ صحة التشبيه تتوقّف على وجود وجه الشبه في المشبَّه به بوجهٍ أقوىً وليس وجه الشبه إلّاأنّهم لا يسمَعون، فعند ذلك تُصبح‏
الشفاعة، ص: 62
النتيجة: إنّ الأموات مطلقاً غير قابلين للإفهام ويدل على ذلك أيضاً قوله سبحانه: «إنّ اللَّه يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور» (فاطر/ 22).
ووجه الدلالة في الآيتين واحد.
على هامش السؤال‏
القرآن الكريم منزّه عن التناقض والاختلاف وكيف لا يكون كذلك وهو يقول: «ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً» (النساء/ 82) وهو يصرّح في غير واحد من آياته على أنّ الأنبياء كانوا يكلّمون الموتى ويخاطبونهم. ونلمس ذلك بوضوح في قصتي صالح وشعيب.
أمّا الأُولى: فالقرآن يحكي خطابَه لقومه- بعد هلاكهم وأخذهم الرجفة- ويقول: «فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين* فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبّون الناصحين» (الأعراف/ 78- 79).
أمعن النظر في قوله: «فتولّى» حيث تصدَّر بالفاء الدالة على الترتيب: أي بعدما عمّهم الهلاك أعرض صالح بوجهه عنهم وخاطبهم بقوله: يا قوم ...
أمّا الثانية فهو أيضاً قرينة الأُولى ونظيرتها قال سبحانه:
«فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين* الذين كذبوا شعيباً كأن لم‏
الشفاعة، ص: 63
يغنوا فيها الذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين* فتولّى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين» (الأعراف/ 91- 93).
إنّ الأُوليين من الآيات صريحتان في نزول البلاء عليهم وإبادتهم وإهلاكهم جميعاً- فبعد ذلك- يخاطبهم نبيُّهم شعيب معرِضاً بوجهه عنهم، مشعراً بالتبرّي ويقول: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ... وليس لنا، ولا لغيرنا تأويل القرآن لأخذ موقف مسبَّق في الموضوع، بل يجب عرض الرأي عليه لا عرض القرآن على الفكر الإنساني.
ونكتفي من الآيات بما تلوناه عليك وهناك آيات أُخرى موحدة في المضمون نترك نقلها للاختصار.
السنّة لا تتفق مع عدم السماع‏
إنّ السنّة الكريمة، عدل القرآن، يُحتَجُّ بها كما يُحتجّ به، فقد أخذت موقف الإيجاب فهي لا تتفق مع عدم السماع وإليك نزراً يسيراً منها:
1- ما أنتم بأسمعَ منهم‏
هذه الكلمة ألقاها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عندما كان بمقربة من قتلى قريش، وكان يكلّمهم ولمّا اعترض عليه بعض أصحابه بقوله: «كيف تكلّمهم وهم قوم موتى» أجابه بقوله: «ما أنتم بأسمع منهم» وإليك‏
الشفاعة، ص: 64
التفصيل:
لقد انتهت معركة بدر بانتصارٍ عظيمٍ في جانب المسلمين وهزيمة نكراء في جانب المشركين. فقد غادر المشركون ساحة القتال هاربين صوب مكة مخلّفين وراءهم سبعين قتيلًا من صناديدهم وساداتهم وفتيانهم الشجعان وسبعين أسيراً.
ولمّا أمر النبي بإلقاء قتلى المشركين في القليب وقفَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم عند القليب وأخذ يخاطب القتلى واحداً واحداً ويقول:
«يا أهلَ القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أُمية بن خلف، ويا أبا جهل (وهكذا عدّ من كان منهم في القليب) هل وجدتم ما وعدَكم ربّكم حقاً، فإنّي قد وجدت ما وعدَني ربّي حقاً».
فقال له بعض أصحابه: يا رسول اللَّه أتنادي قوماً موتى؟
فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «وما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني».
وكتب ابن هشام يقول: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ كنتم لِنبيّكم كذَّبتموني وصدّقني الناسُ، وأخرجتُموني وآواني الناس، وقاتلتُموني ونصرني الناس، (ثم قال:) هل وجدتُم ما وعدكم ربي حقاً؟» «1».
وقد أنشد حسان قصيدة بائيّةٌ رائعة حول وقعة بدر الكبرى يشير في بعض أبياتها إلى هذه الحقيقة، أعني قصة القليب إذ يقول:
__________________________________________________
(1) السيرة النبوية: 1/ 639؛ السيرة الحلبية: 2/ 179 و 180 وغيرهما.
الشفاعة، ص: 65
يناديهمْ رسولُ اللَّه لمّا             قذَفناهم كباكبَ في القليب‏
ألم تجِدوا كلامي كان حقاً             وأمرُ اللَّه يأخذ بالقلوب؟
فما نَطقوا ولو نَطقوا لقالوا             صدقتَ وكنتَ ذا رأي مصيب!

على أنّه لا توجد عبارة أشد صراحة ممّا قاله رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في المقام، حيث قال: «ما أنتم بأسمع منهم».
وليس ثمة بيان أكثر إيضاحاً وأشد تقريراً لهذه الحقيقة من مخاطبة النبي صلى الله عليه و آله و سلم لواحدٍ واحدٍ من أهل القليب، ومناداتهم بأسمائهم وتكليمهم كما لو كانوا على قيد الحياة.
فلا يحق لأيّ مسلمٍ مؤمن بالرسالة والرسول، أن يسارع إلى إنكار هذه القضية التاريخية الإسلامية المسلّمة، ويبادر قبل التحقيق ويقول: إنّ هذه القضية غير صحيحة، لأنّها لا تنطبق مع الموازين العقلية المادية المحدودة.
وقد نقلنا هنا نصَّ هذا الحوار، لكي يرى المسلمون الناطقون باللغة العربية كيف أنّ حديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم يصرّح بهذه الحقيقة، بحيث لا توجد مثلها عبارة في الصراحة، والدلالة على هذه الحقيقة.
ومن أراد الوقوف على مصادر هذه القصة فعليه أن يراجع ما ذكرناه في الهامش أدناه «1».
__________________________________________________
(1) إنّ تكلّم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم مع رؤوس الشرك الموتى‏ الذين أُلقيت أجسادُهم في البئر من مسلّمات التاريخ والحديث، وقد أشار إلى هذا من بين المحدّثين والمؤرخين: صحيح البخاري: 5/ 76 و 77- 86 و 87 في معركة بدر؛ صحيح مسلم: 8/ 163 كتاب الجنة باب مقعد الميت؛ سنن النسائي: 4/ 89 و 90 باب أرواح المؤمنين؛ مسند الامام أحمد: 2/ 131؛ السيرة النبوية: 1/ 639؛ المغازي: 1/ 112 غزوة بدر؛ بحار الأنوار: 19/ 346.
الشفاعة، ص: 66
2- رواية الصحابي الجليل: عثمان بن حنيف‏
روى الحافظ الطبراني عن الصحابي الجليل عثمان بن حنيف:
أنّ رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، وكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى ابنَ حنيف فشكى إليه ذلك، فقال له ابنُ حنيف: إئت الميضأة، فتوظأ ثم ائتِ المسجد فصلِّ ركعتين، ثم قل:
اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد نبيّ الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّك أن تقضي حاجتي، وتذكر حاجتك.
فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان فجاءَه البوّاب حتى أخذ بيده، فأُدخِلَ على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة فقال:
حاجتك؟ فذكر حاجته وقضى‏ له، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقى ابن حنيف فقال له: جزاك اللَّه خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ.
فقال ابن حنيف: واللَّه ما كلّمته، ولكن شهدتُ رسول اللَّه، وأتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره، فقال له النبي صلى الله عليه و آله و سلم: إن شئت دعوتُ أو تصبر، فقال: يا رسول اللَّه إنّه ليس لي قائدٌ وقد شقّ عليّ، فقال له النبي:
ائت الميضأة فتوضّأْ ثم صلّ ركعتين ثم ادعُ بهذه الدَعَوات. قال ابنُ حنيف: فو اللَّهِ ما تفرَّقْنا وطال بنا الحديثُ حتى دَخَلَ علينا الرجلُ كأنّه لم‏
الشفاعة، ص: 67
يكن به ضر «1».
وقال الترمذي: هذا حديث حقٌّ حسنٌ صحيحٌ.
وقال ابن ماجة: هذا حديثٌ صحيحٌ.
وقال الرفاعي: لا شك أنّ هذا الحديث صحيحٌ ومشهورٌ «2».
تفسير الآيتين‏
إلى هنا اتّضح الأمر وإنّ هناك إسماعاً وسماعاً ومخاطِباً وخطاباً، وإفهاماً وفهماً، فعند ذلك تصل النوبة إلى تفسير الآيتين، علماً منّا ومن كل مسلم، بأنّه لا اختلاف في القرآن ولا تعارض بين آياته فنقول:
قال سبحانه: «فإنّك لا تسمع الموتى ...» (الروم/ 52).
وقال تعالى: «وما أنت بمسمع من في القبور» (فاطر/ 22).
فالآيتان صريحتان في امتناع إسماع الموتى.
والجواب على هذا واضح: فإنّ هاتين الآيتين ناظرتان إلى الأجساد الموجودة في القبور، فإنّها هي التي لا تسمع، ولا تعي، والاتصال لا يكون بيننا وبين هذه الأجساد، بل يتحقّق بيننا وبين الأرواح الطاهرة والنفوس الزكية الباقية الخالدة، وإن تبعثر الجسدُ وتناثرت أجزاؤه فالأرواح هي التي يُسلَّم ويُصلّى عليها وهي التي‏
__________________________________________________
(1) صحيح الترمذي: 5 كتاب الدعوات، الباب 119، رقم 3578؛ سنن ابن ماجة: 1/ 441، رقم 1385؛ مسند أحمد: 4/ 138 وفي غير ذلك.
(2) التوصل إلى حقيقة التوسل: 158.
الشفاعة، ص: 68
تَسمع وتردُّ.
وأمّا الحضور عند المراقد التي تضم الأجساد والأبدان فلأجل أنّه يبعث على التوجه إلى صاحب تلك الأجساد ويكون أدعى‏ إلى تذكّر خصاله، وصفاته، وإلّا فإنّ الارتباط بهم، والسلام عليهم يمكن حتى ولو من مكانٍ ناءٍ وبلدٍ بعيدٍ، كما تصرّح بعض أحاديث الصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم.
وبعبارة ثانية: إنّ الآية تنفي السماع والإفهام عن الأموات المدفونين في القبور، فإنّهم أصبحوا بعد الموت كالجماد لا يفهمون ولا يسمعون، وهذا غير القول بأنّ الأرواح المفارقة عن هذه الأبدان غير قابلة للإفهام ولا للإسماع. والآيتان دالّتان على عدم إمكان إسماع الأموات والمدفونين في القبور، ولا تدلّان على عدم إمكانية تفهيم الأرواح المفارقة عن الأبدان، العائشة في البرزخ عند ربّهم كما دلّت عليه الآيات السابقة.
ومن المعلوم أنّ خطاب الزائر للنبي صلى الله عليه و آله و سلم بقوله: يا محمد اشفَعْ لنا عند اللَّه، لا يشير إلى جَسَده المطهَّر، بل إلى روحه الزكية الحية العائشة عند ربّها إلى غير ذلك من الصفاتِ التي يضفيها عليه القرآن الكريم وعلى سائر الشهداء. حتى إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وإن وقف عند أجساد أهل القليب لكن التكلّم مع أرواحهم، والوقوف عنده، لأجل تخصيص خطابه بهم وإفهامه لغيرهم من الحاضرين.
تحقيق رائع حول الآيتين‏
هناك تحقيق رائع حول الآيتين، لا يقف عليه إلّاالذي كرّس‏
الشفاعة، ص: 69
عمره في تفسير القرآن. وإليك بيانه: إنّ الآيتين في مقام بيانِ أمرٍ آخر وهو أنّ المراد من الإسماع هنا هو الهداية وهي تتصوَّر على قسمين:
هداية مستقلة، وهداية معتمدة على إذنه سبحانه، والآيتان بصدد بيان أنّ النبي غير قادر على القسم الأوّل من الهدايتين، بل هي من خصائصه سبحانه، وإنّما المقدور له هو الهداية المعتمدة على إذنه تعالى، ويدل على ذلك نفس الآية الواردة في سورة فاطر حيث يقول: «وما يستوي الأعمى والبصير* ولا الظلمات ولا النور* ولا الظل ولا الحرور* وما يستوي الأحياء ولا الأموات* إنّ اللَّه يُسمع من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور* إن أنت إلّانذير» «1»
.
وإذا قارنتَ قولَه: «وما أنت بمسمعٍ من في القبور» مع قوله: «إنّ اللَّه يسمع من يشاء» تقف على أنّ المراد من قوله: «وما أنت بمسمعٍ من في القبور» هو نفي الإسماع أو الهداية المستقلّة من دون مشيئته سبحانه، فكأنّه يقول: لستَ أيّها النبي بقادر على الهداية، بل الهادي هو اللَّه سبحانه، ولأجل ذلك يعود فيصف النبي في الجملة الأخيرة بأنّه:
«ليس إلّانذير» لا المتصرف في عالم الوجود مستقلًا ومعتمداً على إرادته.
وبعبارة ثانية: إنّ كون الآية بصدد بيان أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم ليس بقادر على إسماع الموتى وهدايتهم مطلقاً، شي‏ء، وكونها بصدد أنّ النبي لا يقدر على الهداية والإسماع مستقلًاّ ومعتمداً على إرادة نفسه، شي‏ءٌ
__________________________________________________
(1) فاطر/ 19- 23.
الشفاعة، ص: 70
آخر. والآية بصدد بيان الأمر الثاني لا الأوّل. ويدل على ذلك قوله سبحانه: «ليس عليك هداهم ولكنّ اللَّه يهدي من يشاء» (البقرة/ 272).
وقال سبحانه: «إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللَّه يهدي من يشاء» (القصص/ 56)، وقال سبحانه: «واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل» (الأحزاب/ 4).
فهذه الآيات تؤكد الغاية التي تهدف إليها تلك الآية (أي نفي استقلال النبي بأمر الهداية وإسماعهم) وإن كان يقدر على ذلك بإذنه بقرينة قوله سبحانه: «إن تسمع إلّامن يؤمن بآياتنا فهم مسلمون» (النمل/ 81 والروم/ 53) وقوله سبحانه: «وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا» (السجدة/ 24)، بل يصفه سبحانه بقوله: «وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم» (الشورى/ 52) وبذلك يظهر أنّ المستدل أغفل هدف الآية.
والتدبر في الآيات يوحي أنّ النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم كان حريصاً على هداية الناس وكان راغباً في إسعادهم كما يحكي عنه قوله تعالى:
«إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللَّه يهدي من يشاء» (القصص/ 56) وقال تعالى: «وما أكثر الناس ولو حرصتَ بمؤمنين» (يوسف/ 103) وقال سبحانه: «ليس لك من الأمر شي‏ء أو يتوب عليهم أو يعذبهم» (آل عمران/ 128) وقال سبحانه: «لعلّك باخعٌ نفسك ألّا يكونوا مؤمنين» (الشعراء/ 3).
كل هذه الآيات تؤكد إلحاح النبي صلى الله عليه و آله و سلم وحرصه على هداية أُمته، وعلى ذلك فيكون المراد من الآيات التي توحي طلب النبي في أمر
الشفاعة، ص: 71
الأُمة، هو نفي كون النبي قائماً بذلك الأمر على وجه الاستقلال، وعلى نحو الإطلاق، سواء شاء اللَّه أم لم يشأ. بل إنّما تتحقق إرادته وعلاقته بهدايتهم إذا وقعت في إطار إرادته، سبحانه ومشيئته من غير فرق في ذلك بين الموتى‏ والأحياء، بإسماع الموتى وهداية الأحياء.
وبذلك يظهر ما تهدف إليه آية سورة النمل فإنّ المقصود من قوله: «إنّك لا تسمِعُ الموتى ولا تسمِعُ الصمَّ الدعاءَ إذا ولَّوا مدبرين» (النمل/ 80) هو أنّك لا تقوم بإسماع الميت الواقعي، أو ميّت الأحياء كالمشركين والمنافقين مستقلًاّ، وإنّما المقدور لك هو ما تعلّقت مشيئته سبحانه بهدايتهم، ولأجل ذلك يقول: «وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلّامن يؤمن بآياتنا فهم مسلمون» (النمل/ 81).
فلو تعلّقت مشيئته تهدي من يشاء وتسمع من يشاء من دون فرق بين المؤمن والكافر، والحي والميت.
السؤال الثالث: الشفاعة فعل اللَّه‏
الشفاعة فعل اللَّه سبحانه، ولا يُطلب فعلُه من غيره، قال سبحانه:
«قل للَّه‏الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون» (الزمر/ 44).
فاذا كانت الشفاعة مملوكة للَّه‏وهو المالك لها، فكيف يُطلَب ما يرجع إليه من غيره؟
الشفاعة، ص: 72
على هامش السؤال‏
لا شك أنّ الشفاعة للَّه‏كما هو صريح الآية وما يرجع إليه سبحانه لا يُطلَب من غيره. مثلًا إنّ الرزق والإحياء والإماتة له لا تُطلَب من عباده.
غير أنّ المهم تشخيص ما يرجع إليه سبحانه، وتمييزه ما أعطاه لعباده الصالحين.
إنّ الشفاعة المطلقة ملك للَّه‏سبحانه، فلا شفيع ولا مشفوع له، بلا إذنه ورضاه فهو الذي يسنُّ الشفاعة ويأذن للشافع، ويبعث المذنب إلى باب الشافع ليستغفر له، إلى غير ذلك من الخصوصيات. فلا يملك الشفاعة بهذا المعنى إلّاهو، وبذلك يردّ القرآن على المشركين الذين كانوا يزعمون أنّ أربابهم يملكون الشفاعة المطلقة فالشفاعة بهذا المعنى غير مسؤولة ولا مطلوبة من النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
والمسؤول والمطلوب من النبي والصالحين هو الشفاعة المرخّصة المحدّدة، من اللَّه سبحانه، أي ما رخّص لهم في أن يشفعوا ويطلبوا لعباده الغفران، فمثل هذه الشفاعة المرخّصة المأذونة ليست له لأنّه سبحانه فوق كل شي‏ء، لا يَستأذن ولا يُؤذن ولا يُحدّد فعله.
وبعبارة واضحة: المراد من قوله سبحانه: «قل للَّه‏الشفاعة جميعاً» ليس أنّه سبحانه هو الشفيع دون غيره، إذ من الواضح أنّه سبحانه لا يشفع عند غيره، بل المراد أنّ المالك لمقام الشفاعة هو سبحانه وأنّه لا يشفع أحد في حقّ أحد إلّابإذنه للشفيع وارتضائه للمشفوع له، ولكن هذا المقام ثابت للَّه‏سبحانه بالأصالة والاستقلال، ولغيره بالاكتساب‏
الشفاعة، ص: 73
والاجازة، قال سبحانه: «ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلّا من شهد بالحق وهم يعلمون» (الزخرف/ 86).
فالآية صريحة في أنّ من شهد بالحق يملك الشفاعة ولكن تمليكاً منه سبحانه وفي طول ملكه.
وعلى ذلك فالآية أجنبية عن طلب الشفاعة من الأولياء الصالحين الذين شهدوا بالحق وملكوا الشفاعة، وأُجيزوا في أمرها في حقّ من ارتضاهم لها.
وأنت أيّها الأخ المتحرر من كل رأي مسبق، إذا لاحظتَ ما ذكرته سابقاً في تفسير الآية، يتضح لك، أنّ طلب الشفاعة من الصالحين، ليس طلبَ فعله سبحانه من غيره.
السؤال الرابع: طلب الشفاعة يشبه عمل المشركين‏
إنّ طلب الشفاعة يشبه عمل عَبَدة الأصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الكاذبة الباطلة، وقد حكى القرآن ذاك العمل منهم، قال سبحانه:
«ويعبدون من دون اللَّه ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه» (يونس/ 18) وعلى ذلك فالاستشفاع من غيره سبحانه عبادة لهذا الغير.
على هامش السؤال‏
ما كنت أفكّر أيّها الأخ أن تغتر بظواهر الأعمال وتقضي بالبساطة والسذاجة، مع أن القرآن أمر بالتدبّر والتفكّر والدقّة في مصادر الأعمال‏
الشفاعة، ص: 74
وجذورها، لا بالاغترار بظاهرها.
فالفرق واضحٌ بين عمل المسلم والمشرك لأنّك إذا أمعنتَ النظر في مضمون الآية تقف على أنّ المشركين كانوا يقومون بعملين:
1- عبادة الآلهة ويدل قوله عليه: «ويعبدون ...».
2- طلب الشفاعة ويدل عليه: «ويقولون ...».
وكان علّة اتّصافهم بالشرك هو الأوّل لا الثاني، إذ لو كان الاستشفاع بالأصنام عبادة لها بالحقيقة، لما كان هناك مبرّرٌ للإتيان بجملة أُخرى، أعني قوله: «ويقولون هؤلاء شفعاؤُنا» بعد قوله:
«ويعبدون ...» إذ لا فائدة لهذا التكرار، وتوهم أنّ الجملة الثانية توضيحٌ للأُولى خلاف الظاهر، فإنّ عطف الجملة الثانية على الأُولى يدل على المغايرة بينهما.
إذاً لا دلالة للآية على أنّ الاستشفاع بالأصنام كان عبادة، فضلًا عن كون الاستشفاع بالأولياء المقربين عبادة لهم.
وهناك فرق واضح بين طلب شفاعة الموحِّد من أفضل الخليقة- عليه أفضل التحية- وطلب شفاعة المشرك، حيث إنّ الأول يطلب الشفاعة منه بما أنّه عبدٌ صالح أذِنَه سبحانه ليشفع في عباده تحت شرائط خاصة، بخلاف المشرك فإنّه يطلب الشفاعة منه، بما أنّه ربّ يملك الشفاعة يعطيها من يشاء ويمنعها عمّن يشاء. أفيصح عطفُ أحدهما على الآخر والحكم بوحدتهما جوهراً وحقيقة؟!
كيف يصح لمسلم واع اتخاذ المشابهة دليلًا على الحكم، فلو
الشفاعة، ص: 75
صح ذلك لزم عليه الحكم بتحريم أعمال الحج والعمرة فانّها مشابهة لأعمال المشركين، أمام أربابهم وآلهتهم.
«إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد».
السؤال الخامس: إن طلب الشفاعة دعاء الغير، وهو عبادة له‏
طلب الحاجة من غيره سبحانه حرام فانّ ذلك دعاء لغير اللَّه وهو حرام. قال سبحانه: «فلا تدعوا مع اللَّه أحداً» (الجن/ 18) وإذا كانت الشفاعة ثابتة لأوليائه وكان طلب الحاجة من غيره حراماً فالجمع بين الأمرين يتحقق بانحصار جواز طلبها من اللَّه سبحانه خاصة، ويوضح ذلك قوله سبحانه: «ادعوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين» (فاطر/ 6)، فقد عبّر عن العبادة في الآية بلفظ الدعوة في صدرها وبلفظ العبادة في ذيلها، وهذا يكشف عن وحدة التعبيرين في المعنى. وقد ورد قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «الدعاء مخّ العبادة».
على هامش السؤال‏
لا أظن أنّ أحداً على وجه البسيطة يجعل الدعاء مرادفاً للعبادة.
وإلّا لم يمكن تسجيل أحد من الناس- حتى الأنبياء- في ديوان الموحدين، فلابد أن يقترن بالدعاء شي‏ءٌ آخر، ويصدر الدعاء عن عقيدة خاصة في المدعوّ وإلّا فمجرّد دعوة الغير حياً كان أو ميتاً، لا يكون عبادة له.
الشفاعة، ص: 76
هل ترى أنّ الشاعرة التي تخاطب شجر الخابور بقولها:
أيا شجر الخابور ما لك مورِقا             كأنّك لم تجزع على ابن طريف‏

أنّها عبدته؟ كلّا ثم كلّا.
إنّ العمل لا يتّسم بالعبادة إلّاإذا كانت في نية الداعي عناصر تضفي عليه صفة العبادة وحدّها وهو الاعتقاد بإلوهية المدعو وربوبيته وإنّه المالك لمصيره في عاجله وآجله، وإن كان مخلوقاً أيضاً. والمراد من الدعاء في قوله تعالى: «فلا تدعوا مع اللَّه أحداً» ليس مطلق دعوة الغير، بل الدعوة الخاصة المضيّقة المترادفة للعبادة، ويدل عليه قوله سبحانه في نفس هذه الآية: «وأنّ المساجد للَّه».
وما ورد في الحديث من «أنّ الدعاء مُخُّ العبادة» فليس المراد منه مطلق الدعاء، بل المراد دعاء اللَّه مخ العبادة. كما أنّ ما ورد في الروايات من أنّه: من أصغى إلى ناطق فقد عَبَدَه، فإنْ كان ينطق عن اللَّه فقد عبد اللَّه، وإن كان ينطق عن غير اللَّه فقد عبد غير اللَّه «1» فليس المراد من العبادة هنا:
العبادة المصطلحة، بل استعيرت في المقام لمن يجعل نفسه تحت اختيار الناطق.
وعلى ذلك فيكون المراد من النهي عن دعوة الغير هو الدعوة الخاصة المقترنة بالاعتقاد، أي كون المدعو ذا اختيارٍ تامٍ في التصرّف في الكون وقد فُوِّض إليه شأن من شؤُونه سبحانه.
فإذا كان طلب الشفاعة مقترناً بهذه العقيدة فانّه يُعَدُّ عبادةً
__________________________________________________
(1) الكافي: 6/ 434 الحديث 4.
الشفاعة، ص: 77
للمشفوع إليه. وإلّا فيكون طلب الحاجة كسائر الطلبات من غيره سبحانه الذي لا يشك ذو مسكة في عدم كونه عبادة.
وبعبارة أُخرى: طلب الشفاعة إنّما يُعَدُّ عبادة للشفيع إذا كان مقروناً بالاعتقاد بإلوهيته وربوبيته، وأنّه مالك لمقام الشفاعة أو مفوَّض إليه، يتصرّف فيها كيف يشاء، وأمّا إذا كان الطلب مقروناً باعتقاد أنّه عبدٌ من عباد اللَّه الصالحين يتصرف بإذنه سبحانه للشفاعة، وارتضائه للمشفوع له، فلا يُعَدُّ عبادة للمدعوّ، بل يكون وزانه وزان سائر الطلبات من المخلوقين، فلا يعدُّ عبادة بل طلباً محضاً، غاية الأمر لو كان المدعو قادراً على المطلوب يكون الدعاء- عقلًا- أمراً صحيحاً، وإلا فيكون لغواً.
فلو تردّى‏ إنسان وسقط في قعر بئر وطلب العون من الواقف عند البئر القادر على نجاته وإنقاذه، يُعَدّ الطلب أمراً صحيحاً، ولو طلبه من الأحجار المنضودة حول البئر يكون الدعاء والطلب منها لغواً مع كون الدعاء والطلب هذا في الصورتين غير مقترن بشي‏ء من الإلوهية والربوبية في حق الواقف عند البئر، ولا الأحجار المنضودة حولها.
إنّ الآية تحدّد الدعوة التي تُعَد عبادة بجعل المخلوق في رتبة الخالق سبحانه كما يفصح عنه قوله: «مع اللَّه» وعلى ذلك فالمنهيُّ هو دعوة الغير، وجعله مع اللَّه، لا ما إذا دعا الغيرَ معتقداً بأنّه عبدٌ من عباده لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً ولا حياةً ولا بعثاً ولا نشوراً إلّابما يتفضل عليه بإذنه ويقدر عليه بمشيئته، فعند ذاك فالطلب منه بهذا
الشفاعة، ص: 78
الوصف يرجع إلى اللَّه سبحانه.
وبذلك يبدو أنّ ما تدل عليه الآيات القرآنية من أنّ طلب الحاجة من الأصنام كان شركاً في العبادة، إنّما هو لأجل أنّ المدعوّ عند الداعي كان إلهاً أو ربّاً مستقلًا في التصرف في شأن من شؤُون وجوده أو فعله.
قال سبحانه: «والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون» (الأعراف/ 194) ترى أنّه سبحانه يستنكر دعاءهم بقوله:
«لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون» وقوله: «عبادٌ أمثالكم» مُذكِّراً بأنّ عقيدتهم في حق هؤلاء عقيدة كاذبة وباطلة فالأصنام لا تستطيع نصرة أحد، وهذا يكشف عن أنّ الداعين كانوا على جانب النقيض من تلك العقيدة وكانوا يعتقدون بتملّك الأصنام لنصرهم وقضاء حوائجهم من عند أنفسهم.
وحصيلة البحث: أنّ الدعاء ليس مرادفاً للعبادة، وما ورد في الآية والحديث من تفسير الدعاء بالعبادة لا يدل على ما يراه المستدِلّ، فالمراد من الدعاء فيهما قسمٌ خاصٌّ منه، وهو الدعاء المقترن باعتقادِ الإلوهية في المدعو والربوبيّة في المطلوب منه كما عرفت.
الشفاعة، ص: 79
8 الشفاعة في الأحاديث الإسلامية

لقد اهتمّ الحديث بأمر الشفاعة وحدودها وشرائطها وأسبابها وموانعها اهتماماً بالغاً لا يوجد له مثيل إلّافي موضوعات خاصة تتمتع بالأهمية القصوى، وأنت إذا لاحظت الصحاح والمسانيد والسنن وسائر الكتب الحديثية لوقفت على جمهرة كبرى من الأحاديث حول الشفاعة بحيث تدفع الإنسان إلى الإذعان بأنّها من الأُصول المسلّمة في الشريعة الإسلامية. ولأجل هذا التضافر نرى أنفسنا في غنىً عن المناقشة في الاسناد.
نعم لو كانت هناك رواية اختصت بنكتة خاصة غير موجودة في الروايات الأُخر فإثبات النكتة الخاصة يحتاج إلى ثبوت صحة سندها
الشفاعة، ص: 80
كما هو المحقّق في علم الحديث.
ولما كانت الأحاديث حول الشفاعة وفروعها كثيرة جداً، ومبثوثة في الكتب جمعناها في هذه الصحائف تحت عناوين خاصة، ولسنا ندّعي أنّنا قد أحطنا بكل الأحاديث في هذا المجال وإنّما ندّعي أنّا قد جئنا بقسم كبير من الأحاديث «1».
أحاديث الشفاعة عند أهل السنّة: «2»

1- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «لكلّ نبي دعوة مستجابة فتعجّل كل نبي دعوته وأنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأُمتي وهي نائلة من مات منهم لا يشرك باللَّه شيئاً» «3».
__________________________________________________
(1) لقد جمع العلّامة المجلسي أحاديث الشفاعة الواردة من طرق أئمة أهل البيت في موسوعته «بحار الأنوار» فلاحظ 8/ 29- 63 كما أنّه أورد بعضها في الأجزاء التالية من موسوعته: بحار الأنوار 100/ 116، 162، 170، 265، 303، 307، 331، 340، 345، 349، 351، 376، 379، ولاحظ 101/ 8، 211، 212، 213، 293، 297، 298، 299، 372، 374، ولاحظ 102/ 31، 32، 33، 35، 36، 44، 47، 71، 171، 181، 183، إلى غير ذلك من الموارد. وعقد أحمد بن محمد بن خالد البرقي باباً للشفاعة في موسوعته «المحاسن» فلاحظ: 1/ 184.
(2) وقد عقد العلامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي المتوفى 975 ه باباً خاصاً للشفاعة نقل فيه طائفة من الأخبار فلاحظ كنز العمال: 4/ 638- 640.
كما عقد الشيخ منصور علي ناصف في كتابه التاج الجامع للأصول أبواباً للشفاعة لاحظ التاج: 5/ 348- 360 وقد جاء فيها بأحاديث طوال قد أخذنا موضع الحاجة منها. غير أنّ ملاحظة مجموع الأحاديث لا تخلو عن فائدة. وعقد النسائي في سننه أبواباً أربعة خاصة للشفاعة لاحظ: 3/ 622 ط. دار احياء التراث الإسلامي.
(3) سنن ابن ماجة: 2/ 1440، وبهذا المضمون راجع مسند أحمد: 1/ 281، وموطأ مالك: 1/ 166، وسنن الترمذي: 5/ 238، وسنن الدارمي: 2/ 328، وصحيح مسلم: 1/ 130، وصحيح البخاري: 8/ 83 و 9/ 170.
الشفاعة، ص: 81
2- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أُعطيت خمساً ... وأُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمتي فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئاً» «1».
3- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «شفاعتي نائلة إن شاء اللَّه من مات ولا يشرك باللَّه شيئاً» «2».
4- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في تفسير قوله: «عسى أن يبعثك مقاماً محموداً»: «هو المقام الذي أشفع لأُمتي فيه» «3».
5- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أنا أول شافع وأول مشفّع» «4».
6- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلّااللَّه مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه» «5».
7- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أُمتي» «6».
8- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «رأيت ما تلقى أُمتي بعدي (أي من الذنوب) فسألت اللَّه أن يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل» «7».
9- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من‏
__________________________________________________
(1) مسند أحمد: 1/ 301 و 4/ 416 و 5/ 148 وبهذا المضمون سنن النسائي: 1/ 172، وسنن الدارمي: 1/ 323 و 2/ 224، وصحيح البخاري: 1/ 92 و 119.
(2) مسند أحمد: 2/ 426.
(3) مسند أحمد: 2/ 528، 444، 478، وسنن الترمذي: 3/ 365.
(4) سنن الترمذي: 5/ 448، وسنن الدارمي: 1/ 26 و 27.
(5) مسند أحمد: 2/ 307 و 518.
(6) سنن ابن ماجة: 2/ 1441 وبهذا المضمون مسند أحمد: 3/ 213، وسنن أبي داود: 2/ 537، وسنن الترمذي: 4/ 45.
(7) مسند أحمد: 6/ 428.
الشفاعة، ص: 82
قال لا إله إلّااللَّه خالصاً من قلبه أو نفسه» «1».
10- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أنا أوّل شافع في الجنة» «2».
11- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «شفاعتي لكل مسلم» «3».
12- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا كان يوم القيامة كنت امام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» «4».
13- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أنا سيد ولد آدم وأوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر» «5».
14- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّي لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة» «6».
15- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «ليخرجنّ قوم من أُمتي من النار بشفاعتي يسمّون الجهنميين» «7».
16- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «خُيّرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنّها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟
لا، ولكنّها للمذنبين الخطائين المتلوثين» «8».
__________________________________________________
(1) صحيح البخاري: 1/ 36.
(2) صحيح مسلم: 1/ 130، وسنن الدارمي: 1/ 27.
(3) سنن ابن ماجة: 2/ 1444.
(4) سنن الترمذي: 5/ 247، وسنن ابن ماجة: 2/ 1443.
(5) سنن ابن ماجة: 2/ 1440 وبهذا المضمون صحيح مسلم: 7/ 59، ومسند أحمد: 2/ 540.
(6) مسند أحمد: 5/ 347.
(7) سنن الترمذي: 4/ 114، وسنن ابن ماجة: 2/ 1443 وبهذا المضمون مسند أحمد: 4/ 434، وسنن أبي داود: 2/ 537.
(8) سنن ابن ماجة: 2/ 1441.
الشفاعة، ص: 83
17- وحكى أبو ذر: أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم صلّى ليلة فقرأ آية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: «إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم» فلمّا أصبح قلت: يا رسول اللَّه ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها، قال: إنّي سألت ربّي عزّ وجلّ الشفاعة لأُمتي فأعطانيها فهي نائلة إن شاء اللَّه لمن لا يشرك باللَّه عزّ وجلّ شيئاً» «1».
18- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «يشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي» «2».
19- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ اللَّه يخرج قوماً من النار بالشفاعة» «3».
20- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» «4».
21- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «فإذا فرغ اللَّه عزّ وجلّ من القضاء بين خلقه وأخرج من النار من يريد أن يخرج، أمر اللَّه الملائكة والرسل أن تشفع فيعرفون بعلاماتهم: إنّ النار تأكل كل شي‏ء من ابن آدم إلّاموضع السجود» «5».
__________________________________________________
(1) مسند أحمد: 5/ 149.
(2) صحيح البخاري: 9/ 160 وبهذا المضمون مسند أحمد: 3/ 94.
(3) صحيح مسلم: 1/ 122 وبهذا المضمون صحيح البخاري: 8/ 143.
(4) سنن ابن ماجة: 2/ 1443.
(5) سنن النسائي: 2/ 181.
الشفاعة، ص: 84
22- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «... فيؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان» «1».
23- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا ميّز أهل الجنة وأهل النار، فدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قامت الرسل وشفعوا» «2».
24- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «يشفع الأنبياء في كل من يشهد أن لا إله إلّااللَّه مخلصاً، فيخرجونهم منها» «3».
25- ذكرت الشفاعة عند رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: «إنّ الناس يعرضون على جسر جهنم ... وبجنبتيه الملائكة يقولون: اللّهمّ سلّم سلّم ...» «4».
26- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في حديث: «أمّا أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيى ولكن ناس أصابتهم نار بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فيخرجون ضبائر ضبائر» «5».
27- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في حديث: «... فيشفعون حتى يخرج من قال لا إله إلّااللَّه ممّن في قلبه ميزان شعيرة» «6».
__________________________________________________
(1) مسند أحمد: 5/ 43 بتلخيص منّا.
(2) مسند أحمد: 3/ 325.
(3) مسند أحمد: 3/ 12.
(4) مسند أحمد: 3/ 26.
(5) مسند أحمد: 3/ 79 وبهذا المضمون سنن ابن ماجة: 2/ 1441، وسنن الدارمي: 2/ 332، ومسند أحمد: 3/ 5.
(6) مسند أحمد: 3/ 345.
الشفاعة، ص: 85
28- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «يشفع الشهيد في سبعين إنساناً من أهل بيته» «1».
29- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من تعلّم القرآن (من قرأ القرآن) فاستظهره فأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدخله اللَّه به الجنة وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم قد وجبت له النار» «2».
30- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في حديث: «إذا بلغ الرجل التسعين غفر اللَّه ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر وسمي أسير اللَّه في الأرض، وشفّع في أهله» «3».
31- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل من أُمتي أكثر من بني تميم» «4».
32- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ من أُمتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر» «5».
33- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين أو مثل أحد الحيين ربيعة ومضر» «6».
34- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ الرجل من أُمتي ليشفع للفئام من‏
__________________________________________________
(1) سنن أبي داود: 2/ 15، وبهذا المضمون مسند أحمد: 4/ 131، وسنن الترمذي: 3/ 106.
(2) سنن الترمذي: 4/ 245، وسنن ابن ماجة: 1/ 78، ومسند أحمد: 1/ 148 و 149.
(3) مسند أحمد: 2/ 89، وبهذا المضمون ما في: 3/ 218.
(4) سنن الدارمي: 2/ 328، وسنن الترمذي: 4/ 46، وسنن ابن ماجة: 2/ 1444، ومسند أحمد: 3/ 470 و 5/ 366.
(5) مسند أحمد: 4/ 212.
(6) مسند أحمد: 5/ 257.
الشفاعة، ص: 86
الناس فيدخلون الجنة وإنّ الرجل ليشفع للقبيلة، وإنّ الرجل ليشفع للعصبة، وإنّ الرجل ليشفع للثلاثة، وللرجلين، وللرجل» «1».
35- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يصف الناس (أهل الجنة) صفوفاً فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول: يا فلان أما تذكر يوم استقيت فسقيتك شربة؟ قال: فيشفع له، ويمرّ الرجل فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهوراً؟ فيشفع له» «2».
36- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في حديث: «لا يصبر على لاوائها (أي المدينة) وشدتها إلّاكنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة» «3».
37- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لخادمه: «ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة، قال: ومن دلّك على هذا؟ قال: ربي، قال: أما فأعنّي بكثرة السجود» «4».
38- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من صلّى على محمد وقال: اللّهمّ أنزله المقعد المقرّب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي» «5».
39- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من قال حين يسمع النداء: «اللّهمّ ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته» حلّت له شفاعتي يوم القيامة» «6».
__________________________________________________
(1) مسند أحمد: 3/ 20 و 63، وسنن الترمذي: 4/ 46.
(2) سنن ابن ماجة: 2/ 1215.
(3) موطأ مالك: 2/ 201، ومسند أحمد: 2/ 119 و ص 133 ومواضع أخر من هذا الكتاب.
(4) مسند أحمد: 3/ 500، وبهذا المضمون ما في: 4/ 59.
(5) مسند أحمد: 4/ 108.
(6) صحيح البخاري: 1/ 159، وبهذا المضمون ما في مسند أحمد: 3/ 354، وسنن ابن ماجة: 1/ 239، وسنن الترمذي: 1/ 136، وسنن النسائي: 2/ 22، وسنن أبي داود: 1/ 126.
الشفاعة، ص: 87
40- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى اللَّه عليه عشراً، ثم سلوا اللَّه عزّ وجلّ لي الوسيلة فمن سأل اللَّه لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة» «1».
41- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «من غشّ العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودّتي» «2».
42- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ اللعّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» «3».
43- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «تعلّموا القرآن فإنّه شافع لأصحابه يوم القيامة» «4».
44- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ سورة من القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تبارك الذي بيده الملك» «5».
45- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربّي منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعني‏
__________________________________________________
(1) سنن أبي داود: 1/ 124، وصحيح مسلم: 2/ 4، وسنن الترمذي: 5/ 246 و 247، وسنن النسائي: 2/ 22، ومسند أحمد: 2/ 168.
(2) مسند أحمد: 1/ 72، ولا يتوهم أنّ هذا الحديث تكريس بالقومية المبغوضة في الإسلام لأنّ من المعلوم أنّ المراد من العرب، المسلمين فيكون بمنزلة «من غشّ مسلماً فليس بمسلم لأنّ المسلم يوم ذاك كان منحصراً في العرب».
(3) مسند أحمد: 6/ 448، وصحيح مسلم: 8/ 24.
(4) مسند أحمد: 5/ 251.
(5) مسند أحمد: 2/ 199 و ص 321، وسنن الترمذي: 4/ 238.
الشفاعة، ص: 88
فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه، قال: فيشفعان» «1».
46- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إن أقربكم منّي غداً وأوجبكم عليَّ شفاعة: أصدقكم لساناً وأدّاكم لأمانتكم وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس» «2».
47- روى أنس بن مالك عن أبيه قال: سألت النبي صلى الله عليه و آله و سلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال: أنا فاعل، قلت: يا رسول اللَّه فأين أطلبك؟ قال:
أُطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟
قال: فاطلبني عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال:
فاطلبني عند الحوض فإنّي لا أخطا هذه الثلاث المواطن» «3».
48- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم في حديث: «أنا سيد الناس يوم القيامة ... ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع، فأرفع رأسي فأقول: يا ربّي أُمتي يا ربّي أُمتي يا ربّي أُمتي، فيقول: يا محمد أدخل من أُمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة» «4».
49- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أنا أوّل الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعاً» «5».
__________________________________________________
(1) مسند أحمد: 2/ 174.
(2) تيسير المطالب في أمالي الإمام علي بن أبي ظالب، تأليف السيد يحيى بن الحسين من أحفاد الإمام زيد (المتوفى عام 424)، ص 442- 443.
(3) سنن الترمذي: ج 4 الباب التاسع، الحديث 2550.
(4) سنن الترمذي: ج 4 الباب العاشر، الحديث 2551.
(5) صحيح مسلم: 1/ 130.
الشفاعة، ص: 89
50- أخرج ابن مردويه عن طلق بن حبيب: كنت أشد الناس تكذيباً بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد اللَّه فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر اللَّه فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب اللَّه وأعلم لسنّة رسول اللَّه منّي؟ إنّ الذين قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً فعذّبوا ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه إلى أُذنيه، فقال: صمّتا إن لم أكن سمعت رسول اللَّه يقول: يخرجون من النار بعدما دخلوا، ونحن نقرأ كما قرأت.
وعن ابن أبي حاتم عن يزيد الفقير، قال: جلست إلى جابر بن عبد اللَّه وهو يحدّث، فحدّث أنّ ناساً يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذٍ أنكر ذلك، فغضبت وقلت: ما أعجب من الناس ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد تزعمون أنّ اللَّه يخرج ناساً من النار واللَّه يقول:
«يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها» فانتهرني أصحابه وكان أحلمهم، فقال: دعوا الرجل إنّما ذلك للكفار، فقرأ: «إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة» حتى بلغ «ولهم عذاب مقيم» أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قد جمعته، قال: أليس اللَّه يقول: «ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً» فهو ذلك المقام فإنّ اللَّه تعالى يحتبس أقواماً بخطاياهم في النار ما شاء لا يكلّمهم فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به ...» «1».
***__________________________________________________
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 54 كما في حياة الصحابة للشيخ محمد يوسف الكاندهلوي: 3/ 471- 472.
الشفاعة، ص: 90
هذه خمسون حديثاً رواها أهل السنّة عن النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم ولو أضفنا إليها الصور المختلفة لكل حديث لتجاوز عدد الأحاديث المائة حديث، ولكن اكتفينا بهذا المقدار وأشرنا إلى المواضع التي نقلت فيها صورها المختلفة والناظر فيها يذعن بأنّ الاعتقاد بالشفاعة كان أمراً مسلّماً بين جماهير المسلمين كما يذعن بأنّها لم تكن عندهم مطلقة عن كل قيد، بل لها شرائط خصوصاً في حانب المشفوع له، وأنّ هناك شفعاء وسنشير في خاتمة المطاف إلى فذلكة الروايات وعصارتها في المواضع المختلفة.
هلمّ معي نقرأ ما روته الإمامية في هذا الباب من الأحاديث الكثيرة من النبي الأكرم والأئمة المعصومين، ولأجل سهولة الإرجاع إليها نحافظ على التسلسل المذكور في الأحاديث السابقة.
*** أحاديث الشفاعة عند الشيعة الإمامية
51- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّي لأشفع يوم القيامة وأُشفّع. ويشفع عليٌّ فيُشفّع، ويشفع أهل بيتي فيشفّعون» «1».
52- قال رسول‏اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أُعطيت خمساً ... أُعطيت الشفاعة» «2».
53- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ اللَّه أعطاني مسألة فادّخرت مسألتي‏
__________________________________________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب: 2/ 15 وبهذا المضمون في مجمع البيان: 1/ 104.
(2) من لا يحضره الفقيه: 1/ 155.
الشفاعة، ص: 91
لشفاعة المؤمنين من أُمتي يوم القيامة ففعل ذلك» «1».
54- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ من أُمتي من سيدخل اللَّه الجنة بشفاعته أكثر من مضر» «2».
55- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي» «3».
56- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والأمانة، ونبيكم، وأهل بيت نبيكم» «4».
57- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة: أي ربّي عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا، فشفّعني فيه فيقول: إذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتى يخرجه منها» «5».
58- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي» «6».
59- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع في أربعين من إخوانه» «7».
__________________________________________________
(1) أمالى الشيخ الطوسي: 36.
(2) مجمع البيان: 10/ 392.
(3) من لا يحضره الفقيه: 3/ 376.
(4) مناقب ابن شهر آشوب: 2/ 14.
(5) مجمع البيان: 10/ 392.
(6) مجمع البيان: 1/ 104، و يقول الطبرسي: إنّ هذا الحديث مما قبلته الأُمة الإسلامية.
(7) مجمع البيان: 1/ 104.
الشفاعة، ص: 92
60- قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «أيّما امرأة صلّت في اليوم والليلة خمس صلوات، وصامت شهر رمضان وحجّت بيت اللَّه الحرام، وزكّت مالها، وأطاعت زوجها ووالت علياً بعدي دخلت الجنة بشفاعة بنتي فاطمة» «1».
أحاديث الشفاعة عن الإمام عليّ عليه السلام:
61- قال علي عليه السلام: «لنا شفاعة ولأهل مودّتنا شفاعة» «2».
62- قال علي عليه السلام: «ثلاثة يشفعون إلى اللَّه عزّ وجلّ فيشفّعون:
الأنبياء، ثم العلماء ثم الشهداء» «3».
63- قال علي عليه السلام لولده محمد الحنفية: «إقبل من متنصّل عذره، فتنالك الشفاعة» «4».
64- قال علي عليه السلام: «إعلموا أنّ القرآن شافع ومشفّع، وقائل ومصدّق، وأنّه من شفّع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه» «5».
65- قال علي عليه السلام: «قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: إذا قمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكبائر من أُمتي فيشفّعني اللَّه فيهم، واللَّه لا تشفّعت فيمن آذى‏ ذرّيتي» «6».
__________________________________________________
(1) أمالي الصدوق: 291.
(2) خصال الصدوق: 624.
(3) خصال الصدوق: 156.
(4) من لا يحضره الفقيه: 4/ 279.
(5) نهج البلاغة، الخطبة: 171.
(6) أمالي الصدوق: 177.
الشفاعة، ص: 93
66- قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ للجنة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا فلم أزل واقفاً على الصراط أدعو وأقول: ربّ سلّم شيعتي ومحبّي وأنصاري ومن تولّاني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش: قد أُجيبت دعوتك وشفّعت في شيعتك، ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولّاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلّااللَّه ولم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بغضنا أهل البيت» «1».
67- قال أمير المؤمنين عليه السلام: «سمعت النبي يقول: إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد: يا رسول اللَّه إنّ اللَّه جلّ اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك فكافهم بما شئت فأقول: يا ربّ الجنة فأبوِّءُهم منها حيث شئت، فذلك المقام المحمود الذي وعدت به» «2».
68- عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «قالت فاطمة عليها السلام لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا أبتاه أين ألقاك يوم الموقف الأعظم ويوم الأهوال ويوم الفزع الأكبر؟ قال: يا فاطمة عند باب الجنة ومعي لواء الحمد وأنا الشفيع لأُمتي إلى ربّي. قالت: يا أبتاه فإن لم ألقك هناك؟ قال: ألقيني‏
__________________________________________________
(1) بحار الأنوار: 8/ 39 نقلًا عن أمالي الصدوق: 39.
(2) بحار الأنوار: 8/ 39- 40 نقلًا عن أمالي الصدوق: 187.
الشفاعة، ص: 94
على الحوض وأنا أسقي أُمتي، قالت: يا أبتاه إن لم ألقك هناك؟ قال:

هرگونه کپی برداری از مطالب این سایت در راستای ترویج دین مبین اسلام، بلامانع می باشد